هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما،
يكنى أبا عبد الرحمن، أمه زينب بنت مظعون، وُلد بعد البعثة بأربعة أعوام وكان أبوه
ما زال على الكفر، وما إن أصبح يافعًا حتى كان الله قد هدى والده عمر بن الخطاب إلى
الإسلام.
وكان ابن عمر رجلاً آدم جسيمًا ضخمًا، يقول ابن عمر: "إنّما
جاءتنا الأدْمة من قِبل أخوالي، والخال أنزعُ شيء، وجاءني البُضع من أخوالي، فهاتان
الخصلتان لم تكونا في أبي ؛ كان أبي أبيض، لا يتزوَّج النساء شهوةً إلا لطلب الولد".
علاقته مع الإسلام
بدأت علاقته مع الإسلام منذ أن
هاجر مع والده إلى المدينة وهو ابن عشرة أعوام، وبعد الهجرة أخذ ينهل من تعاليم الإسلام
عن الرسول مباشرةً، حيث كان يتبعه كظلِّه.
لم يشهد بدرًا وأُحد لصغر سنِّه، وشارك في غزوة الخندق عندما سمح
له النبي بذلك، وهو ابن خمسة عشر عامًا، وشارك في بيعة الرضوان. كان فقيهًا كريمًا
حسن المعشر طيِّب القلب، لا يأكل إلا وعلى مائدته يتيم يشاركه الطعام.
بداية جهاده
منذ الصغر :
أول غزوات عبد الله بن عمر كانت غزوة الخندق، فقد اسْتُصْغِرَ يوم أُحد، ثم
شهد ما بعدها من المشاهد، وخرج إلى العراق وشهد القادسية ووقائع الفرس، وورَدَ المدائن،
وشهد اليرموك، وغزا إفريقية مرتين.
- قال
ابن عمر رضي الله عنهما :
عرضني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد في القتال ، وأنا ابن أربع عشرة سنة ،
فلم يُجزني ، وعرضني يوم الخندق وأنا بن خمس عشرة سنة ، فأجازني . رواه البخاري ومسلم .
ولما كانت وقعة بدر كان عبد الله بن عمر –رضي الله
عنهما- لم يجاوز الثالثة عشرة، ولذلك لم يشهدها، ثم جاءت أحد، وحاول أن يقبله
النبي -صلى الله عليه وسلم- وكان قد بلغ الرابعة عشرة، فلم يقبله رسول الله
-صلى الله عليه وسلم-، ثم لما كانت وقعة الخندق كان قد بلغ الخامسة
عشرة، فقبله رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهذا مما يُستدل به على أن الخامسة
عشرة فصل ما بين الصبي والغلام وما بين الرجل، فهي حد محدود يميز بها بين مرحلتين،
مرحلة الصبا، ومرحلة الرجولة، فمن بلغ الخامسة عشرة حكم له بأحكام الرجال في
المَحْرميّة، وفي دفع ماله له إن وجد معه حسن التصرف في المال، إن كان له مال
كاليتيم، ويرتفع عنه حكم اليتم.
وإذا لم يظهر عليه شيء من
علامات البلوغ، فإنه إذا بلغ الخامسة عشرة فإنه يحكم له بالبلوغ، ويكون محرماً
للمرأة، ويكون ولياً في النكاح.
ثم شهد ما بعدها
من المشاهد، وخرج إلى العراق وشهد القادسية ووقائع الفرس، وورَدَ المدائن، وشهد اليرموك،
وغزا إفريقية مرتين.
علمه :
عاصر عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- نزول الوحي، وعايش الأحداث مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكان في كل هذا شديد الإصغاء إلى التوجيهات الربانية
والأحاديث النبوية، وحمله حرصه الشديد على تعلم العلم أن صار أحد أوعيته، فكان
عمره يوم مات النبي -صلى الله عليه وسلم-ثنتين وعشرين سنة
* وكان أحد العبادلة
الأربعة المشهود لهم بالفضل والعلم، حتى أن اجتماعهم على رأى يعد حجة ويقال فيه: «هذا قول العبادلة».
ويكفينا دلالة على سعة علمه هذا الكم الهائل من الأحاديث التي حفظها ورواها عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (2630 حديث) حيث يعد ثاني الرواة بعد أبى هريرة -رضي الله عنه- من حيث عدد الأحاديث المروية.
ويكفينا دلالة على سعة علمه هذا الكم الهائل من الأحاديث التي حفظها ورواها عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (2630 حديث) حيث يعد ثاني الرواة بعد أبى هريرة -رضي الله عنه- من حيث عدد الأحاديث المروية.
* كان شديد الحذر في روايته عن الرسول، فقد قال
معاصروه:
"لم يكن من أصحاب رسول الله أحدٌ أشد حذرًا من ألا يزيد في حديث رسول الله أو
ينقص منه من عبد الله بن عمر".
* كما كان شديد الحذر
والحرص في الفُتيا، فقد جاءه يومًا سائل
يستفتيه في سؤالٍ، فأجابه قائلاً: "لا علم لي بما تسأل". وذهب الرجل إلى
سبيله، ولا يكاد يبتعد بضع خطوات عن ابن عمر حتى فَرَك ابن عمر كفيه فرحًا، ويقول لنفسه:
"سُئل ابن عمر عمّا لا يعلم، فقال لا يعلم".
فلقد سأله رجل عن مسألة، فطأطأ رأسه ولم يجبه، حتى
ظن الناس أنه لم يسمع مسألته، فقال له الرجل: يرحمك الله، أما سمعت مسألتي؟ قال:
بلى، ولكنكم ترون أن الله تعالى ليس بسائلنا عما تسألونا عنه، اتركنا رحمك الله
حتى نتفهم في مسألتك، فإن كان لها جوابا عندنا وإلا أعلمناك أنه لا علم لنا به.
* قال
الإمام مالك : كان
إمام الناس عندنا بعد زيد بن ثابت عبد الله بن عمر ، مكث ستين سنة يُفتي الناس .
وكان شديد الاستجابة للرسول صلى الله عليه وسلم والمتابعة له
- ولذا لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو
تركنا هذا الباب للنساء . قال نافع : فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات . رواه أبو داود .
- ومن ذلك ما رواه مسلم عن سالم بن عبد الله أن عبد
الله بن عمر قال : سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنكم إليها
. قال فقال بلال بن عبد الله : والله لنمنعهن . قال : فأقبل عليه عبد الله فسبّـه سـبّـاً
سيئا ما سمعته سبه مثله قط ، وقال : أخبرك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول
: والله لنمنعهن ؟
محبته للنبي عليه الصلاة والسلام :
- وروى عاصم بن محمد العمري عن أبيه قال : ما سمعت ابن عمر ذكر النبي صلى الله عليه وسلم إلا
بكى .
- وقال
يوسف بن ماهك : رأيت
ابن عمر عند عبيد بن عمير ، وعبيد يقصّ ، فرأيت ابن عمر ودموعه تهراق .
- وعن عبد
الله بن عبيد بن عمير عن أبيه أنه تلا : ( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ
) فجعل ابن عمر يبكي حتى لثقت لحيته وجيبه من دموعه ، فأراد رجل أن يقول لأبي : أقصر
فقد آذيت الشيخ .
*
وكان عبد الله بن عمر حريصًا كل الحرص على أن يفعل ما كان الرسول يفعله
فيصلي في ذات المكان، ويدعو قائمًا
كالرسول الكريم، بل يذكر أدق التفاصيل؛ ففي مكة دارت ناقة الرسول دورتين قبل أن ينزل
الرسول من على ظهرها ويصلي ركعتين، وقد تكون الناقة فعلت ذلك بدون سبب، لكن عبد الله لا يكاد يبلغ نفس المكان في مكة حتى يدور بناقته
ثم ينيخها ثم يصلي لله ركعتين تمامًا كما رأى الرسول يفعل، وتقول في ذلك أم المؤمنين
عائشة رضي الله عنها: "ما كان أحد يتبع آثار النبي في منازله كما كان يتبعه ابن
عمر ". حتى إنّ النبي نزل تحت شجرة، فكان ابن عمر يتعاهد تلك الشجرة، فيصبُّ في أصلها الماء لكيلا
تيبس.
خشيته لله
تعالى وعبادته :
- قال ابن
عمر رضي الله عنهما : كان الرجل في
حياة النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى رؤيا قصها على رسول الله صلى الله عليه وسلم
، فتمنيت أن أرى رؤيا فأقصها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكنت غلاماً شاباً
، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرأيت في النوم كأن
ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار ، فإذا هي مطوية كطيّ البئر ، وإذا لها قرنان ، وإذا
فيها أناس قد عرفتهم ، فجعلت أقول : أعوذ بالله من النار . قال : فلقينا مَلَك آخر
فقال لي : لم ترع ، فقصصتها على حفصة ، فقصّتها حفصة على رسول الله صلى الله عليه وسلم
. فقال : نِعْمَ الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل . فكان بعد لا ينام من الليل
إلا قليلا . رواه البخاري ومسلم.
* وكان
يصلي من الليل، ويقول لمولاه نافع: أسحرنا؟ يعني: هل دخلنا في السحر؟ فيقول: لا،
ثم يصلي، فيقول: أسحرنا؟ حتى يقول: نعم، فيوتر، هكذا يصلي سائر الليل، وكان يغفي
إغفاءة الطائر، ينام نومة يسيرة، وكان من عباد الصحابة.
- وعن طاووس قال: ما رأيت مصليا كهيئة عبد
الله بن عمر، أشد استقبالا للكعبة بوجهه وكفيه وقدميه.
- وكان رحمه الله إذا أصبح قال: اللهم اجعلني من أعظم عبادك نصيبا في كل خير تقسمه الغداة، ونور تهدى به، ورحمة تنشرها، ورزق تبسطه، وخير تكشفه، وبلاء ترفعه، وفتنه تصرفها.
يقول خادمه نافع ما قرأ ابن عمر هاتين الآيتين قط من آخر سورة البقرة إلا بكى: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} ثم يقول: إن هذا لإحصاء شديد.
- قال حبيب بن الشهيد : قيل لنافع : ما كان يصنع ابن
عمر في منزله ؟ قال : لا تطيقونه ؛ الوضوء
لكل صلاة ، والمصحف فيما بينهما .
- وقال نافع : كان ابن عمر لا يصوم في السفر ، ولا يكاد يفطر في الحضر .
-
كان عبد الله مثل أبيه
تهطل دموعه حين يسمع آيات النذير في القرآن؛ فقد جلس يومًا بين إخوانه فقُرئ:
{وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ
* وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلاَ يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ
مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}
[المطففين: 1-6]، ثم مضى يردد: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين:
6], ودموعه تسيل كالمطر، حتى وقع من كثرة وجده وبكائه.
- وكتب رجل إلى ابن عمر فقال: "اكتبْ إليَّ بالعلم كله". فكتب إليه ابن عمر:
"إن العلم كثيرٌ، ولكن إن استطعتَ أن تلقى الله خفيفَ الظهر من دماء الناس، خميص
البطن من أموالهم، كافًّا لسانك عن أعراضهم، لازمًا لأمر الجماعة فافعلْ، والسلام".
- كان يدعوا في الصفا والمروة فيقول:((اللهم اجعلني ممن يحبك
ويحب ملائكتك ويحب رسلك ويجب عبادك الصالحين اللهم حببني إليك وإلى ملائكتك وإلى
رسلك وإلى عبادك الصالحين)) .
- وعن نافع قال: كان عبد الله بن عمر إذا
قرأ قوله تعالى: "ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق" يبكي
حتى يغلبه البكاء
·
وحج ستين حجة على الجمال، وبأوضاع تعرفونها من المتاعب، واعتمر
ما يقرب من ألف عمرة، فكان مولعاً بالبيت
- وقال سعيد بن المسيب: لو كنت شاهدا لرجل من أهل العلم أنه من أهل الجنة لشهدت لعبد
الله بن عمر.
زهده
ورعه :
o
كان رضي الله عنه زاهداً مُعرضاً عن الدنيا والافتتان بها .
o
وقال جابر رضي الله عنه : ما منا أحد أدرك الدنيا إلا وقد مالت به إلا
ابن عمر .
o
وقالت عائشة رضي الله عنها : ما رأيت أحداً ألزم للأمر الأول من ابن عمر
.
- وكان إذا دعي لينهل من حظوظ الدنيا قال:
(لقد اجتمعت وأصحابي على أمر، وإني أخاف إن خالفتهم ألا ألحق بهم).
- دعاه يومًا الخليفة عثمان وطلب منه أن يشغل منصب القضاء فاعتذر، وألحَّ عليه عثمان فثابر على اعتذاره،
وسأله عثمان : "أتعصيني؟" فأجاب ابن عمر : "كلا، ولكن بلغني أن القضاة
ثلاثة: قاضٍ يقضي بجهل فهو في النار، وقاضٍ يقضي بهوى فهو في النار، وقاضٍ يجتهد ويصيب؛
فهو كفاف لا وزر ولا أجر، وإني لسائلك بالله أن تعفيني". وأعفاه عثمان بعد أن أخذ عليه عهدًا ألاَّ يخبر أحدًا؛ لأنه خشي
إذا عرف الأتقياء الصالحون أن يتبعوه وينهجوا نهجه.
- أهداه أحد إخوانه القادمين من خُراسان حُلَّة ناعمة
أنيقة، وقال له:
"لقد جئتك بهذا الثوب من خراسان، وإنه لتقر عيناي إذ أراك تنزع عنك ثيابك الخشنة
هذه، وترتدي هذا الثوب الجميل". قال له ابن عمر: "أرِنيه إذن". ثم لمسه
وقال: "أحرير هذا؟" قال صاحبه: "لا، إنه قطن". وتملاّه عبد الله
قليلاً، ثم دفعه بيمينه وهو يقول: "لا، إني أخاف على نفسي، أخاف أن يجعلني مختالاً
فخورًا، والله لا يحب كل مختال فخور".
- وأهداه
يومًا صديق وعاءً مملوءًا، وسأله ابن عمر : "ما هذا؟" قال: "هذا دواء
عظيم، جئتك به من العراق". قال ابن عمر: "وماذا يُطَبِّب هذا الدواء؟"
قال: "يهضم الطعام". فابتسم ابن عمر
وقال لصاحبه: "يهضم الطعام! إني لم أشبع من طعام قَطُّ منذ أربعين عامًا".
لقد كان عبد
الله خائفًا من أن يقال له يوم القيامة: {أَذْهَبْتُمْ
طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} [الأحقاف:
20].
* كما كان يقول عن نفسه: "ما وضعت لَبِنَة على لَبِنَة، ولا غرست نخلة منذ تُوُفِّي رسول
الله".
- ويقول ميمون بن مهران: "دخلت على ابن عمر ، فقَومتُ (ثَمّنْتُ) كل شيء في بيته من فراش ولحاف
وبساط، ومن كل شيء فيه، فما وجدته يساوي مائة درهم".
* ويوضح منهجه فيقول: (اللهم إنك تعلم أنه لولا مخافتك لزاحمنا قومنا
قريشا في هذه الدنيا).
جود
شخاؤه :
كان ابن عمر من ذوي الدخول الرغيدة الحسنة؛ إذ كان تاجرًا أمينًا
ناجحًا، وكان راتبه من بيت مال المسلمين وفيرًا، ولكنه لم يدخر هذا العطاء لنفسه قَطُّ،
إنما كان يرسله على الفقراء والمساكين والسائلين...
- وقال مولاه نافع : إنْ كان ابن عمر ليفرّق في المجلس
ثلاثين ألفا ، ثم يأتي عليه شهر ما يأكل مزعة لحم .
- فقد رآه أيوب بن وائل الراسبي
وقد جاءه أربعة آلاف درهم وقطيفة[1]، وفي اليوم التالي رآه في السوق يشتري لراحلته علفًا دَيْنًا، فذهب أيوب
بن وائل إلى أهل بيت عبد الله وسألهم، فأخبروه: "إنه لم يبت بالأمس حتى فرَّقها
جميعًا، ثم أخذ القطيفة وألقاها على ظهره وخرج، ثم عاد وليست معه، فسألناه عنها فقال:
إنه وهبها لفقير".
* فقال أيوب بن وائل: يا
معشر التجار، ما تصنعون بالدنيا وابن عمر أتته البارحة عشرة آلاف درهم وُضْح فأصبح
اليوم يطلب لراحلته علفاً بدرهم نسيئة؟.
·
كما كان عبد الله بن عمر يلوم أبناءه حين يولمون للأغنياء ولا يأتون معهم
بالفقراء، ويقول لهم: "تَدْعون الشِّباع، وتَدَعون الجياع".
- وكان
رحمه الله لا يأكل طعاما إلا وعلى خوانه يتيم أو مسكين، ولما اشتكى اشتهى حوتا فطبخ له، فلما وضع بين يديه
جاء سائل، فقال: أعطوه الحوت. فقالت امرأته: نعطيه درهما فهو أنفع له من هذا، واقض
أنت شهوتك منه. فقال: شهوتي ما أريد.
·
قيل إنه أعتق ألف إنسان أو
زاد.
- وعن صلاحه وعتقه روى نافع
فقال: ((كان ابن عمر إذا اشتد عجبه بشيء من ماله قربه لربه عز وجل)) وقد كان رقيقه
عرفوا عنه خوفه من ربه وحبه لمن يقيم شعائر ربه فكان من يريد منهم أن يعتقه ابن عمر
لزم المسجد وأخذ يصلي فإذا رآه ابن عمر على هذه الحالة الحسنة أعتقه, فيقول له أصحابه:((يا
ابن عمر والله إنهم يخدعونك)) فيقول ابن عمر
رضي الله عنه:((فمن خدعنا بالله انخدعنا به)) .
- وقرأ يوما قول الله تعالى: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} فنظر في
ماله، فما وجد شيئا أحب إليه من جاريته (رميثة) فأعتقها، وزوجها نافع مولاه.
·
وحَمل على ألف فرس في سبيل الله، يعني: يحمل الناس في سبيل الله
للجهاد، وكان كثير الإنفاق والصدقة.
أما
عن تواضعه :
- فيروى عن أبى الوازع، قال: قلت لابن عمر: لا يزال الناس بخير ما أبقاك الله لهم. قال: فغضب
ثم قال: إني لأحسبك عراقيا، وما يدريك ما يغلق عليه ابن أمك بابه.
- وجاءه سائل يوما فقال لابنه: أعطه دينارا. فلما انصرف السائل قال له ابنه: تقبل الله منك يا أبتاه. فقال: لو علمت أن الله يقبل منى سجدة واحدة وصدقة درهم لم يكن غائب أحب إلى من الموت، أتدرى ممن يتقبل الله؟ إنما يتقبل الله من المتقين.
- وقال له رجل: يا خير الناس، وابن خير الناس. فقال ابن عمر: ما أنا بخير الناس، ولا ابن خير الناس، ولكني عبد من عباد الله عز وجل، أرجو الله عز وجل وأخافه، والله لن تزالوا بالرجل حتى تهلكوه.
- وهذا تلميذه مجاهد يصف تواضعه فيقول: صحبت ابن عمر وأنا أريد أن أخدمه فكان يخدمني أكثر.
موقفه أيام الفتنة :
رفضه للخلافة بعد مقتل عثمان :
* عُرضت الخلافة على ابن عمر عدة مرات فلم يقبلها، فها هو الحسن يقول: "لما قُتِل عثمان بن عفان، قالوا لعبد
الله بن عمر : "إنك سيِّد الناس وابن سيد الناس، فاخرج نبايع لك الناس".
قال: "إني والله لئن استطعت، لا يُهرَاق بسببي مِحْجَمَة [2]من دم". قالوا: "لَتَخْرُجَنَّ أو لنقتُلك على فراشك".
فأعاد عليهم قوله الأول، فأطمعوه وخوفوه، فما استقبلوا منه شيئًا".
وكان الحياد شعاره ونهجه :
قال ابن عمر رضي الله عنهما : دخلت على حفصة ونوساتها تنطف[3]
فقلت : قد كان من الناس ما ترين ، ولم يُجعل لي من الأمر شيء . قالت : فالحق بهم ،
فإنهم ينتظرونك وإني أخشى أن يكون في احتباسك عنهم فُرقة ، فلم يرعه حتى ذهب قال :
فلما تفرق الحكمان خطب معاوية فقال : من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع إليّ
قرنه ! فنحن أحق بذلك منه ومن أبيه . يُعرّض بابن عمر !
فقال له حبيب بن مسلمة : فهلا أجبته فداك أبي وأمي ؟ فقال ابن عمر : حللت
حبوتي فهممت أن أقول : أحق بذلك منك من قاتلك وأباك على الإسلام ، فخشيت أن أقول كلمة
تفرّق الجمع ، ويسفك فيها الدم ، فذكرت ما أعد الله في الجنان . رواه البخاري .
وقال : "من قال: حي على الصلاة أجبته، ومن
قال: حي على الفلاح أجبته، ومن قال: حي على قَتْل أخيك المسلم وأخذ ماله قلت: لا".
يقول أبو العالية البراء: "كنت أمشي يومًا خلف ابن عمر وهو لا يشعر بي، فسمعته
يقول: "واضعين سيوفهم على عَوَاتِقِهم، يقتل بعضهم بعضًا، يقولون: يا عبد الله
بن عمر، أَعْطِ يدك".
* واستقر الأمر لمعاوية ومن بعده لابنه يزيد، ثم ترك معاوية الثاني ابن
يزيد الخلافة زاهدًا فيها بعد أيام من توليه، وكان عبد الله بن عمر شيخًا مسنًّا كبيرًا، فذهب إليه مروان وقال له:
"هَلُمَّ يدك نبايع لك؛ فإنك سيد العرب وابن سيدها". قال له ابن عمر :
"كيف نصنع بأهل المشرق؟" قال مروان: "نضربهم حتى يبايعوا". قال
ابن عمر : "والله ما أحب أنها تكون لي سبعين عامًا، ويقتل بسببي رجل واحد".
فانصرف عنه مروان.
شدته في الحق :
- وروى ابن سيرين أن الحجاج خطب فقال : إن ابن الزبير بدّل كلام الله ، فعلم ابن عمر فقال : كذب ! لم يكن ابن
الزبير يستطيع أن يبدل كلام الله ولا أنت
. قال الحجاج : إنك شيخ قد خرّفت الغد ! قال ابن عمر : أما إنك لو عدتَ عد
- حدّث إسحاق بن سعيد بن عمرو
الأموي عن أبيه عن ابن عمر أنه قام إلى الحجاج وهو يخطب فقال : يا عدو الله استُحلّ حرم الله ، وخرب بيت الله . فقال : يا شيخا قد
خرّف ، فلما صدر الناس أمر الحجاج بعض مسوّدته فأخذ حربة مسمومة وضرب بها رجل ابن عمر
، فمرض ومات منها ، ودخل عليه الحجاج عائداً ، فسلم فلم يرد عليه ، وكلّمه ، فلم يُجبه
.
وفاة عبدالله بن عمر
كُفَّ بصر عبد الله
بن عمر آخر عمره، وقد مات بمكة سنة أربع وسبعين
للهجرة، وقيل: سنة ثلاث وسبعين وهو ابن أربع وثمانين سنة.


0 comentarios:
Publicar un comentario