domingo, 18 de octubre de 2015

سورة الأعلى

0 comentarios
﴿ بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴿١ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴿٢ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴿٣ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ﴿٤ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى ﴿٥ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى ﴿٦ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّـهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ﴿٧ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى ﴿٨ فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى ﴿٩ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى ﴿١٠وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى ﴿١١ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ﴿١٢ ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى ﴿١٣ قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى ﴿١٤ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴿١٥  بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴿١٦ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴿١٧ إِنَّ هَـذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى ﴿١٨ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ﴿١٩

في تسميتها

سورة الأعلى وتسمى سبح هذه السورة وردت تسميتها في السنة سورة: (سبح اسم ربك الأعلى)

في فضلها والقراءة بها

   -  وقال الإمام أحمد... عن علي قال:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب هذه السورة: « سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى » تفرد به أحمد .


   -  قال قتادة: { سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ } ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأها قال: سبحان ربي الأعلى

   -  وثبت في الصحيحين:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ: « هلا صَلّيت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى » .

   -  وقال الإمام أحمد  عن النعمان بن بشير:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في العيدين ب « سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى » و « هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ » وإن وافق يوم الجمعة قرأهما جميعا .


  -  ففي (الصحيحين) عن جابر بن عبد الله قال: قام معاذ فصلى العشاء الآخرة فطوَّل فشكاه بعض من صلّى خلفه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أفتَّان أنتَ يا مُعاذ أين كنتَ عن سبح اسم ربك الأعلى والضّحى» اهـ.

  -  وروى الترمذي عن النعمان بن بشير: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيد ويوم الجمعة {سبّح اسم ربك الأعلى} و{هل أتاك حديث الغاشية}».

قال الملوي: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبها لكثرة ما اشتملت عليه من العلوم والخيرات...

مناسبتها لما قبلها

ذكر الله عز وجل في سورة الطارق خلق الإنسان فقال تعالى: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ [الطارق: 5]، وذكر خلق النبات فقال:﴿ وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ [الطارق: 12]، وذكر هنا خلق الإنسان فقال: ﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾، وذكر خلق النبات أيضًا فقال: ﴿ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى* فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى ﴾، فدل ذلك على أنه الخالق الأعلى، سبحانه.

التفسير :

سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴿١

  -  وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: لما نزلت: ﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ .. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اجعلوها في ركوعكم »، ولما نزلت: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى .. قال: « اجعلوها في سجودكم»[1]

ما هو معنى التسبيح ؟

التسبيح هو: التنزيه عن النقائص وكل ما لا يليق
·        وهو من الأسماء التي لا تضاف لغير اسم الله تعالى، -لأنه لا احد منزه دون الله بنقص أو عيب)
  -  كما قال تعالى: عن عيسى عليه السلام حين ادعو ألوهيته - كانا ياكلان الطعام -   تنزه الله عن ذلك وعلا علوا كبيرا).

فأنت موجود والله سبحانه وتعالى موجود ولكن وجوده غير وجودك، أنت من عدم وإلى عدم، ولكن الله سبحانه وتعالى أزلي أبدي قديم، فإذا قلنا سبّح الله أي نزّهه عما لا يليق به من صفات البشر[2]

 -  فإذا قرأت: مثلا ﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً، وَأَكِيدُ كَيْداً﴾ فمعنى : سَبِّحْ: أي فسَّر هذه الآية تفسيراً يليق بذاته العلية.

 -  وقوله مثلا: ﴿ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾[3] سورة الأنفال:  معنى سَبِّحْ أي نزّه مكر الله عن مكر الخلق، لأن مكر الخلق شرير لكن مكر الله لصالح الخلق.

   * وتنزيه الله يتوقف على معرفته : أي تبحَّر في أسمائه الحسنى إذا أردت أن تعرف علمه فدونك الكون، وإذا أردت أن تعرف قدرته فدونك الكون، وإذا أردت أن تعرف رحمته فدونك المخلوقات. انظر كيف خلق الله في قلب الأمهات تلك الرحمة. اذهب إلى مستشفى الأطفال زيارةً، وشاهد كل أب وكل أم كيف يحرصون على ابنهم المريض؟ فمن أودع الرحمة في قلب الأمهات والآباء؟ الله سبحانه وتعالى.

  - قال الأعرابي: جئتك لتعلمني من غرائب العلم، قال: وماذا صنعت في أصل العلم؟ قال: وما أصل العلم؟ قال: هل عرفت الرب؟ وهو أصل العلم.

 لذلك فالإمام الغزالي ـ رضي اللّه عنه ـ قال: حيثما وردت كلمة العلم؛ فإنما تعني العلم بالله تعالى. لأن العلم بالله له ثمن باهظ، وله مقابل هذا الثمن نتائج مذهلة، نتائج العلم المادي أنه يبقى في الدماغ، فقد يحمل الإنسان أعلى شهادة، وقد يكون بخيلاً، وقد يكون قاسي القلب ودنيئاً، وقد يعرف الإنسان ربه فتسمو نفسه.
تنزيه اسم الله :

   عمَّا ألحد فيه الملحدون، كتنزيه اسم الله تعالى عن كل ما لا يليق بجلاله، تنزيهها عن إطلاقها على الأصنام كاللات والعزى واسم الآلهة، وتنزيهها عن اللهو بها واللعب والعبث، كالتلفظ بها في حالة تنافي الخشوع والإجلال، أو وضعها في غير مواضعها، كنقش الثوب أو الفراش الممتهن، وتنزيهها عن المواطن غير الطاهرة أو غير اللائقة، كصيانة الأوراق المكتوب عليها لفظ الجلال من الابتذال صونًا لاسم الله، وعدم ذكره تعالى عند التثاؤب، وحال الغائط، وتجنب الحلف به كاذباً أو من غير مبالاة. فإن المأمور به هو إجراء الأخبار الشريفة والصفات الرفيعة على الأسماء الدالة على الله تعالى من أعلام وصفات ونحوها؛ ولهذا يكثر في القرآن إناطة التسبيح بلفظ اسم الله نحو قوله: ﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ الواقعة: 74.

تنزيه ذاته تعالى :

    وأما تفكر العبد في عظمة الله تعالى وترديد تنزيهه في ذهنه فهو تسبيح لذات الله، وليس تسبيحًا لاسمه.

فإذا نفينا الإلهية عن الأصنام لأنها لا تخلق كما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ [الحج: 73]  كان ذلك تسبيحا لذات الله لا لاسمه؛ لأن اسمه لم يجر عليه في هذا الكلام إخبار ولا توصيف.

فقد يكون الكلام بالإسم صفيا لا نقص فيه ولا إفساد ولكن معناه مخل بحقيقة الذات الإلهية وجوهر التوحيد . فالكل اليوم يقدس اسم الله ويحدثك عن الاله وصفاته ولكن جوهر التنزيه قد يُصرف إلى معبودات أخرى وآلهم مزيفة

فضل الذكر بالتسبيح :

   -   وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تسبحون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وتكبرون ثلاثًا وثلاثين، وتختمون المائة بلا إله إلا الله» أخرجه مسلم وأبو داود.

   -   وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة بعد أن نزلت عليه ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ [النصر: 1]، إلا يقول: «سبحانك ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي» أخرجه البخاري، وقالت: يتأول القرآن، وهذه الزيادة رواها ابن أبي عاصم.

  -  وقالت أم سلمة: «إنه كان يقولها في قيامه وقعوده، ومجيئه وذهابه صلى الله عليه وسلم» فيكون سبح اسم ربك: أي اذكر ربك، فوضع الذكر موضع التسبيح.

 - وثبت في الصحيح من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أخبرك بأحب الكلام إلى الله ؟ قلت يا رسول الله أخبرني بأحب الكلام إلى الله, فقال إن أحب الكلام إلى الله: سبحان الله وبحمده) رواه مسلم 

 - عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر رواه البخاري

-  عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيعجز أحدكم أن يكسب كل يوم ألف حسنة؟ فسأله سائل من جلسائه كيف يكسب أحدنا ألف حسنة؟ قال: يسبح مائة تسبيحة فيكتب له ألف حسنة أو يحط عنه ألف خطيئة. رواه مسلم 
  -    وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  من قال حين يصبح وحين يمسي سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه. رواه مسلم 

الكون كله يسبح بحمده

يقول عز من قائل: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) [الإسراء: 44].

إن الذي يتأمل هذه الآية يدرك أن كل المخلوقات تسبح بحمد ربها، الإنسان والشجر والنجوم و...، ولكن ما لفت انتباهي أن الله تعالى قال: (وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) ولم يقل (ولكن لا تسمعون تسبيحهم)، إذن نحن يمكن أن نسمع تسبيح هذه المخلوقات ولكن لا نستطيع ترجمتها ولا نستطيع أن نفقهها، فالفقه يكون بعد السماع.

بعبارة أخرى إذا قلنا لإنسان أنت لا تفقه ما نقوله لك، فهذا يعني أننا نتكلم أمامه ويسمعنا ولكنه لا يفهم ماذا نقول...

    *  كل شيء في الوجود يتكلم ويصدر ترددات صوتية، فالنباتات والأشجار لها أصوات محددة وتتأثر بالأصوات أيضاً، وهذا ما تكشفه الأبحاث الجديدة في علم النبات.
  فقد لاحظ العلماء أن بعض النباتات تصدر ذبذبات صوتية في المجال الذي يسمعه الإنسان، أي ضمن ترددات من 20 إلى 20000 ذبذبة في الثانية، ولكن الإشارات الصوتية التي تطلقها هذه النباتات ضعيفة جداً ولا يمكن سماعها إلا بعد تقويتها وتكبيرها آلاف المرات.

     *  الدلافين والصراصير والطيور والنحل وغيرها من الكائنات الحية جميعها تصدر أصواتاً

     *  ثم بدأ العلماء يلاحظون أن بعض النجوم تصدر أصواتاً مسموعة، فالنجم النيوتروني الذي سماه الله تعالى بالطارق يصدر صوتاً يشبه صوت المطرقة، والثقوب السوداء تصدر أصواتاً أيضاً، ومنذ فترة تمكن العلماء من تسجيل الصوت الذي أصدره الكون بعد ولادته!

   *  ولكن من أكثر الاكتشافات غرابة أن الخلية الحية تصدر ترددات صوتية، وهذا ينطبق على جميع الخلايا، وكانت أوضح الترددات ما تصدره خلايا القلب! فقد اكتشف الدكتور Gimzewski أستاذ الكيمياء في جامعة كاليفورنيا وباستخدام كمبيوتر ذري أن كل خلية تصدر صوتاً محدداً يختلف عن الخلية الأخرى!

  *   ثم اكتشف العلماء أن الفيروسات تصدر ترددات صوتيه، حتى إنهم يحاولون ابتكار طريقة جديدة للكشف المبكر عن الأمراض بتتبع أصوات الجراثيم والفيروسات في الجسم!!

 * وقد يتطور العلم فيكتشف أن الذرة تصدر ترددات صوتية، فيكون بذلك كل شيء يسبح لله كما أخبر بذلك القرآن، ويكون هذا من الأدلة العلمية على صدق هذا الكتاب وسبقه العلمي.

     -  بل إن العلماء اليوم يعتقدون أن كل شيء في الوجود له صوته المحدد والخاص به، ويقولون: إن قوة غريبة موجودة في كل مكان تسيطر وتؤثر على كل شيء نراه أو نشعر به" .

أليست هذه القوة هي قوة الله تعالى خالق الوجود؟ لماذا لا تكون هذه الأصوات هي أصوات تسبيح وخضوع لله تعالى وتعظيم وشكر لنعمه عزّ وجلّ؟

·     ﴿ الْأَعْلَى ﴾ :

من العلو وتفيد بصيغتها الزيادة في صفة العلو، ولم يذكر مع وصف الأعلى مفضل عليه، فلم يقل عز وجل (الأعلى) من كذا وكذا، بل الأعلى من كل شيء، فأفاد التفضيل المطلق.

فله جل في علاه كمال العلو، فله علو الذات وعلو الصفات.

أما علو الصفة :   فإن أكمل الصفات لله عز وجل، قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى [النحل: 60].
وهي صفة القدرة والمقدار والعزة والكمال فالكل متفق على ذلك بدون جدال

وأما علو الذات فهو أن الله تعالى فوق عباده مستو على عرشه...

       *  ولهذا كان الإنسان إذا سجد يقول: سبحان ربي الأعلى، يعني أنزه ربي الذي هو فوق كل شيء، لأني نزلت أنا أسفل كل شيء، فتسبح الله الأعلى بصفاته، والأعلى بذاته، وتشعر عندما تقول: سبحان ربي الأعلى، أن ربك تعالى فوق كل شيء، وأنه أكمل من كل شيء في الصفات.

   -  روى الإمام أحمد عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾ قال: «سبحان ربي الأعلى» أخرجه أحمد وصححه الألباني.

 *  وكذلك في السفر، فإن العبد إذا نزل أو هبط منحدراً فإنه يقول: (سبحان الله)

صفة العلو عند الحنابلة (ويحبون التسمي باسم أهل السنة والجماعة)

•   وعلو الله سبحانه ثابت في الكتاب والسنة والعقل والفطرة :

1.   أما كتاب الله : فهو مملوء بالنصوص الدالة على علوه سبحانه وتعالى بذاته فوق جميع مخلوقاته بأساليب مختلفة وصيغ متعددة ..
     -  أولا : التصريح باستوائه على عرشه جاء ذلك في سبعة مواضع في القرآن العزيز ..

     -   ثانيا : التصريح بلفظ العلي والأعلى، قال تعالى {وهو العلي العظيم} [النساء] . وقال تعالى {له ما في السموات وما في الأرض وهو العلي العظيم} [الشورى] .  وقال تعالى {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى] . وقال تعالى {إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى} [الليل] .

     -   ثالثا : التصريح بلفظ الفوقية في عدة مواضع .. قال تعالى {وهو القاهر فوق عباده} [الأنعام] . وقال تعالى {يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون} [النحل] .

     -  رابعا : التصريح بصعود الأشياء إليه سبحانه .. قال سبحانه وتعالى {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} [فاطر] . وقال تعالى {وإذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلى} [آل عمران] . وقال تعالى {بل رفعه الله إليه} [النساء]. وقال تعالى {تعرج الملائكة والروح إليه} [المعارج] .

     -  خامسا : التصريح بنزول الأشياء من عنده. قال تعالى {حم * تنـزيل الكتاب من الله العزيز العليم} [غافر]. وقال تعالى {حم * تنـزيل من الرحمن الرحيم} [فصلت] .. ووجه الاستدلال بهذين النوعين الرابع والخامس أنه لا يعقل الصعود والرفع إلا من أسفل إلى أعلى، ولا يعقل النزول والتنـزيل إلا من أعلى إلى أسفل ..

    -  سادسا : التصريح بأنه سبحانه وتعالى في السماء .. قال تعالى {ءأمنتم من في السماء} إلى قوله سبحانه {أم أمنتم من في السماء} الملك .

2.  أما السنة : فهي طافحة بالأحاديث الدالة على علو الله على خلقه ..

 -  إخباره صلى الله عليه وسلم أن الله في السماء، قال عليه الصلاة والسلام: ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء.

  - وقال عليه والصلاة والسلام للجارية: أين الله؟ قالت في السماء، قال من أنا؟ قالت: أنت رسول الله ، قال اعتقها فإنها مؤمنة ..

 -  و قال عليه الصلاة والسلام في رقية المريض: ربنا الله الذي في السماء ..

3. أما العقل : فإنه يدل على أن الله سبحانه وتعالى في العلو وذلك عن طريق السبر والتقسيم، بأن يقال لمنكر علو الله : إما أن يكون الله سبحانه موجودا وإما أن يكون غير موجود - تعالى الله عن ذلك - وعلى كلا التقديرين يُلزم منكر العلو ببطلان قوله، لأنه لا يخلو إما أن يكون الله في العلو أو في السُفل، وكونه في السُفل باطل لأنه يلزم منه أن يكون الله حالا في مخلوقاته وهذا كفر بإجماع السلف، فلم يبقى إلا القسم الثاني وهو كونه سبحانه وتعالى في العلو، فيتعين اعتقاد العلو .

    -  ثانيا : عن طريق السبر والتقسيم أيضا : بأن يقال لا يخلو الحال من أن يكون الله فوق أو تحت أو يمين أو يسار أو أمام أو خلف فينظر عند السبر أي الجهات أشرف فنجد أن العلو هو الأشرف والله سبحانه وتعالى مستحق للأشرف ، فيتعين كونه في جهة العلو ..

  4.  أما الفطرة : فإن العقلاء جميعهم مفطورون على التوجه إلى العلو عند الدعاء واللّجاء والاضطرار، مما يدل قطعا على أن الله في العلو...!

  - يشهد لذلك ما جرى بين الهمذاني والجويني حيث جاء الهمذاني إلى مجلس الجويني وهو يدرس تلامذته ويقرر مسألة نفي علو الله على خلقه، فقال الهمذاني للجويني : يا أستاذ أخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في نفوسنا فإنه ما توجه إنسان إلى الله قط إلا ويجد ضرورة في نفسه أن الله في جهة العلو .. فنـزل الجويني عن كرسيه وضرب على رأسه وقال : حيرني الهمذاني حيرني الهمذاني .
صفة العو عند الأشاعرة :

كثيرا ما يُتهم الأشاعرة بأنهم نافون للعلو الواجب لله تعالى .

والأشاعرة يؤمنون بان علو الله ، هو العلو الحسي المكاني ، ونفي العلو الحسي فالمكاني

ولا يوجد في الحقيقة نص واحد صحيح لا في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية ولا في كلام أحد من السلف الصالح يبين أن علو الله هو علو مكاني حسي .

بل على العكس تماما ؛ فإنك تجد الكثير من نصوص السلف الصالح تبين أن العلو الواجب لله تعالى هو علو المكانة لا المكان وهو الظاهر من القرآن والسنة خلافا لما يتوهمه المجسمة !!

  * وتجد نصوصا كثيرة تؤكد على أن العلو المقصود في القرآن هو علو الملك والسلطان فقط لا علو الحركة والإنتقال .

  *  وتجد نصوصا للعلماء المحققين تؤكد أن القائلين بالعلو المكاني هم فرقة المجسمة الجهلة .

  *  هذا بالإضافة إلى النصوص القرآنية القاطعة بتنزه الله عن مشابهة خلقه مطلقا فالجسمية والمكان كقوله تعالى :- ( ليس كمثله شيء ) ( ولم يكن له كفؤا أحد)

   *  ومن السنة النبوية كقول رسول الله عليه الصلاة والسلام :- ( ليس له شبه ولا عدل ) ( الظاهر فليس فوقه شيء والباطن فليس دونه شيء ) .

       *  ولهذا تجد الشيخ ابن عثيمين في أول شريطه ( القواعد المثلى ) يؤكد على أنه تعلم من شيخه ابن تيمية عدم نفي مشابهة الله لخلقه بل نفي المماثلة فقط وقال بالحرف الواحد :- لا توجد آية في القرآن ولا حديث في السنة ينفي تشبيه الله بخلقه !!
   - وهذا نص ابن عثيمين حيث قال في شرح الواسطية ص51 :- إن لله يدان وعينان ووجه وساق نظيره أجزاء وأبعاض لنا .

     - وهذه هي مشكلة المجسمة وعلى رأسهم القاضي أبو يعلى رأس المجسمة حيث ألف كتابا اسمه ( إبطال التأويلات) أثبت فيه أن الله يستلقي على العرش ويضع رجله اليمنى فوق اليسرى وأنه يقوم للمؤمن إذا دخل عليه وأنه شاب أمرد جعد قطط يلبس نعلين أخضرين ويضع تاجا _ أقول أثبتها كلها صفات تليق بالله تعالى ؟؟!!!!

أما ما ذكر من من أدلة الاولين حول إثبات صفة العلو بالذات في المكان فقد رد عليه الاشعرية دليلا دليلا[4] وأولوه بما يتفق ويتناسق مع بلاغة العربية وأسلوبها وقواعدها في المجازات والاستعارات والكنايات مبينين أن العلو والارتفاع والاستواء ما هو إلا دلالت على القدرة والتمكين والهيمنة والعلم الإلهي لا على الجلوس والقعود وامجموع التصرفات التي بها يتحرك البشر ويباشرون أعمالهم وتصرفاتهم

الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴿٢ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴿٣

-  وقوله تعالى: { ٱلَّذِى خَلَقَ فَسَوَّىٰ } أي: خلق الخليقة، وسوى كل مخلوق في أحسن الهيئات.

الَّذِي خَلَقَ :

الذي خلق الكائنات جميعا، فأوجدها من العدم ..

فَسَوَّى  :
وأحسن خلقها وأتقنه، وجعلها متسقة محكمة، ولم يأت بها متفاوتة غير ملتئمة بل وضع خلقها على نظام كامل، لا تفاوت فيه ولا اضطراب،
  -  وقوله: ﴿ فَسَوَّى  يعني سوَّى ما خلقه على أحسن صورة، وعلى الصورة المتناسبة مع الأعمال التي في جبلته، وأول من يدخل فيها الإنسان.

  -  وفيه قال الله تعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار: 7، 8].﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين: 4].
وَٱلَّذِى قَدَّرَ ٰ :

قدَّر كل شيء عز وجل فقدر أجناس الأشياء وأنواعها وصفاتها وأفعالها وأقوالها وآجالها، فقدر السموات وما فيها من الكواكب، وقدَّر الأرض وما فيها من المعادن، وما يظهر على وجهها من النبات، وما يعيش عليها من الحيوان، قدَّره في حاله، وفي مآله، وفي ذاته، وفي صفاته، فالآجال محدودة، والأحوال محدودة، والأجسام محدودة، كل شيء مقدر تقديرًا قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ {الفرقان: 2 }

   - كما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء.

    من أعطاك القوة؟ من أعطاك البصر؟ من أعطاك السمع؟ فإذا أصابك طنين في الأذن تتضايق وتقول: معي التهاب يلزمني طبيب أذن، وإذا كان هناك غباشة في العين، ذبابة طائرة أمام عينك، فهناك بروتين داخل العين يتحرك مع النظر، فتتضايق من الذبابة الطائرة. أما إذا أغلقت القناة الدمعية فهذا شيء لا يحتمل. وإذا كان الإنسان قد جرحت يده، وانكشفت الأعصاب الداخلية، فإذا أكل سلطة يتضايق، أصبح هناك ألم. آلام الأسنان لا تستطيع أن تنام في الليل، وأثناء قلع الضرس ترى خيطاً أرفع خيط مرّ في حياتك، وهو خيط عصب السن، وهو الذي أقلقك طوال الليل! 

 - ربنا عز وجل قال:﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ ﴾سورة الملك: 3]

    *  الشمس بعدها عن الأرض بقدرٍ مدروس:﴿ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴾ سورة الرحمن: 5]

لو اقتربت لاحترقت الأرض، ولو ابتعدت لتجمدت! بُعد القمر عن الأرض بحسبان، فلو اقترب نصف المسافة لتضاعف المَّد ستين ضعفاً. أي لأصبح المَّد والجزر مئة وعشرين متراً، ولغمرت معظم مدن العالم الساحلية.

   *   حجم الأرض يتناسب مع طاقة الإنسان. دورتها حول نفسها تتناسب، دورة الأرض حول الشمس تتناسب(36) يوماً، والفصول تتناسب، والإنسان بحاجة لماء. فالماء موجود، والهواء له نسب ثابتة، فهناك نسب ثابتة؛ نسبة الأكسجين إلى الآزوت مسواة، أي مدروسة من لدن حكيم خبير.

   *  والحيوانات قال فيها (وذللناها لكم) ، وإذا أردت الركوب من جهة إلى جهة: ﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ﴾ سورة النحل: 8] والآن يوجد صواريخ وطائرات جامبو، وسيارات فارهة جداً. ﴿ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾

   *  من الذي خلق البترول؟ ومن الذي أعطاه هذه القوة الانفجارية؟ من خلق الحديد؟ ومن خلق الدماغ البشري ليخترع المحرك الانفجاري؟[5]

·        فَهَدَى :

-   قال مجاهد: هدى الإنسان للشقاوة والسعادة، وهدى الأنعام لمراتعها.

     أي: فهدى كل مقدَّر من المخلوقات إلى أداء وظائفه، وكيفية استعمال ما قدَّر فيه من المقادير والقوى فيما يناسب استعماله فيه، فالله لما قدر للإنسان أن يكون قابلا للنطق والعلم والصناعة بما وهبه من العقل وآلات الجسد، هداه لاستعمال فكره لما يحصِّل له ما خلق له.                                                                                                                                                               
        فالهداية الكونية: فهي: أن الله هدى كل شيء لما خلق له، قال فرعون لموسى: ﴿ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه: 49، 50]. فتجد كل مخلوق قد هداه الله تعالى لما يحتاج إليه، وهو شيء مشاهد ومجرب، من الذي هداها لذلك؟ إنه الله عز وجل.
  *   النباتات والحيوانات والطيور والأسماك كلها تتحرك وفق مقادير معينة منذ الآلاف من السنين كل ذلك من تقدير الله

    -   كمثل ما قدَّر النحل لإنتاج العسل ألهمها أن ترعى الزهور والثمار، وألهمها بناء الجِبْح وخلاياه المسدسة التي تضع فيها العسل.

·        فصانع الساعات ليس أعمى  ![6]

      أما الهداية الشرعية: وهي الأهم والمقصود من حياة بني آدم ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56]، فقد بيَّنَها الله عز وجل لعباده وهداهم لها، حتى الكفار قد هداهم الله وبيّـن لهم طريق الحق والنور، فتعاموا وتولوا معرضين، قال الله تعالى: ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى  فصلت: 17.
                                                                                        
*    وإنما أخبرنا الله بأنه هو من خلق وبيده التقدير والهداية لأجل أن نلجأ إليه في جميع أمورنا، فإذا علمنا أنه هو الخالق بعد العدم، ثم أصابنا المرض أو البلاء بعد ذلك فإننا نلجأ إليه وحده؛ لأنه هو الذي خلق وأوجد من العدم وهو القادر على أن يَصح البدن، وإذا علمنا أنه هو الهادي فإننا نستهدي بهدايته وشريعته، حتى نصل إلى ما أعد لنا ربنا عز وجل من الكرامة .

   -  قال تعالى: ﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ  الأعراف: 43 .


وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ﴿٤ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى ﴿٥

·        وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى 

   - أي: من جميع صنوف النباتات والزروع،

      والمرعى: هو الكلأ الأخضر، وكل ما تخرجه الأرض من النبات والثمار والزروع المختلفة.

      والمراد: أن الله أنزل من السماء ماء، فأنبت به بكمال قدرته أنواعًا من نبات وعشب شتى، ما بين أخضر وأصفر وأحمر وأبيض، ومن كل الثمرات التي ينتفع الإنسان بها في خاصة نفسه أو في رعي مواشيه.

وإيثار كلمة (المرعى) دون لفظ النبات؛ لما يشعر به مادة الرعي من نفع الأنعام به، ونفعها للناس الذين يتخذونها، إضافة إلى مراعاة الفاصلة.

·        فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى 

أي أن ذلك المرعى والعشب بعد أن كان أخضراً غضاً ناعماً هشيماً، جعله ﴿ غُثَاءً أَحْوَى  .

   -   ( والغثاء:) هو اليابس من النبت، أي: جافا كالغثاء والقمام الذي يحمله السيل ويكون فوقه.

    -   ﴿ أَحْوَى ﴾ أي: أسود بعد اخضراره، لأن الكلأ إذا قدم وأصابته الأمطار اسودّ وتعفّن، فصار أحوى: من الحوة، وهي: سمرة تقرب من السواد. وقصر مدة الخضرة، فيها إيماء إلى مدة العمر، وسرعة زوال الدنيا ونعيمها.

فكان انبات الزرع نعمة وغذاء، ثم في زواله تذكرةً وعبرةً.

          - قال تعالى:   ﴿ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الأعراف: 57].

شيءٌ آخر يُسْتَنْبط من تسَلْسُل هذه الكلمات[7]، وهي أنَّ الحياة إلى فناء، مِن خُضْرَةٍ نضِرَة إلى اصْفِرارٍ وذُبول، وإلى موتٍ واسْوِداد، وهكذا حياة الإنسان؛ من شباب وانْدِفاع وأحْلام إلى كُهولةٍ وشَيْخوخة ومَوْت، وكُلُّ ما في الأرض يُنْبِئنا إلى زوال العالم، غُروب الشَّمْس، ومجيءُ الخريف، وسُقوط أوْراق الأشْجار

سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى ﴿٦ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّـهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ﴿٧

سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى

سنحفظ ما أوحينا إليك من الكتاب، ونوعيه قلبك، فلا تنسى منه شيئًا أصلا من قوة الحفظ والإتقان، وهذه الجملة مسوقة لبيان هدايته تعالى الخاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم إثر بيان هدايته تعالى العامة لكافة مخلوقاته، وهي هدايته صلى الله عليه وسلم لتلقي الوحي، وحفظ القرآن الذي هو هدى للعالمين، وتوفيقه صلى الله عليه وسلم لهداية الناس أجمعين.

  وإنها بشارة كبيرة، ووعد كريم من الله لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، أنه يقرئه القرآن ولا ينساه الرسول

   - وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يتعجل إذا جاء جبريل يُلقي عليه الوحي مخافة أن ينسى، حتى نزلت ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى ﴾ فألهمه الله وعصمه من نسيان القرآن..

   - قال الله تعالى:  ﴿ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ [القيامة:16، 19] فصار النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ينصت حتى ينتهي جبريل من قراءة الوحي ثم يقرؤه. قال تعالى: ﴿ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه: 114].

ومادام أنه النبي مبلغ عن الله فإن الله كفاه مؤمنة التعب في المراجعة والمذاكرة والاستظهار لأن كل ذلك يعتريه ما يعتري البشر من النسيان والغلط والمشاكلة في الألفاظ والمداخلة في المتشابهات .

·        وبعضهم فَسَّرَ اللام: نافِيَة، أيْ أنت لا تنْسى خبر، وفي تفْسير آخر إياك أن تنْسى، إذا قال الله عز وجل: لا تنْسى نهْياً، أيْ عليه أن يبْتَعِدَ عن أسْباب النِّسْيان.
إِلَّا مَا شَاءَ اللَّـهُ
المعنى الأول :

لا تنسى مما تقرأه إلا ما شاء الله مما اقتضت حكمته أن ينسيكه لمصلحة بالغة، بأن يكون نسخت تلاوته، فإن الأمر بيده عز وجل: ﴿ يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ الرعد: 39

  -  ﴿ مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ البقرة:106، 107.

المعنى الثاني :

            وقال الفراء: وهو سبحانه لم يشأ أن ينسي محمدًا صلى الله عليه وسلم شيئا...

   -  وهو نظير قوله تعالى : ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ هود: 107]  
·         إلا أن القصد من هذا الاستثناء بيان أنه لو أراد أن يصيره ناسيا..لقدر على ذلك .

  - كما جاء في قوله: ﴿ وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا  الإسراء: 86 لأن عدم النسيان فضل من الله تعالى وإحسان، لا من قوته.)
بين حكم المشيئة القدرية والشرعية :

ليس هناك ملك ولا رئيس ولا مسؤول على مر العصور لا يقع في ملكه أو تحت حكمه إلا ما يريده هو !
إلا الله جل جلاله فإنه لا يقع في ملكه إلا ما يريد سبحانه وذلك من (الإرادة القدرية) وإن كان لا يريده شرعا .

 -  مثال : الظلم محرم ولا يريده الله شرعا ، ولكنه يقع بإرادته وحكمته قدرا ...

    فإن الحكم الكوني هو ما قدر الله تعالى أنه سيحصل وقوعه فعلا، فإذا حكم كونا بوقوع شيء فلا بد أن يقع ولا يستلزم ذلك محبته، فقد يحكم الله كونا بوقوع ما لا يرضاه لحكمة يعلمها سبحانه وتعالى.

    وأما الحكم الشرعي فهو ما طلب الله من العباد تطبيقه والعمل به من الأحكام الشرعية، وهذا لا يستلزم الوقوع إذ قد يقع وقد لا يقع. فقد أمر الله أبا جهل بالإيمان ولم يؤمن.

·        ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا :

إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى :

أي إن الله تعالى يعلم ما يجهر به الإنسان ويتكلم به مسموعًا، (وَمَا يَخْفَى) وما يكون خفيًّا لا يُظهر فإن الله يعلمه، كما قال تعالى:﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ق: 16.

   ففي المطارات هناك قَوْس إذا مَرَرْتَ ضِمنه فإنَّهُ يتحَسَّس للمعادن كالسلاح وغيره، فهذا الشيء مَخْفي ويتحسَّسُ له هذا الجِهاز فَكَيْف إذا أظْهر هذا المعْدن ولم تُخْفِهِ، فهل يحتاجون إلى هذه الآلة؟! يأخذونك فَوْراً، فإذا كانت الأشياء المخْفِيَّةُ تُكْشَف فالأخرى المُعْلَنَة من باب أوْلى، فالشيءُ المُعْلَن معْلَنٌ أما الشيء المَخْفي فهذا هو الذي يعْرِفُهُ الله عز وجل.

يعلم دخائل القلوب وأسرارها ودرجة الصدق فيها والرياء ...وما يخفي الناس عن بعضهم البعض لا يمكن أن يخفى على الله .. فلا تمويه معه ولا مداراة ولا نفاق ولا خداع ...

وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى ﴿٨

   ولما كان في الوعد بالإقراء والوعد بتشريع الأحكام، قد يكون فيه ما يصعب على المخاطبين احتماله- أردفه بوعد آخر يزيده حلاوة في النفوس، وهو التيسير والإعانة، فقال سبحانه:  (وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى( .

    - أي نسهل عليك أفعال الخير وأقواله، ونشرع لك شرعا سهلا سمحا مستقيما عدلا، لا اعوجاج فيه ولا حرج ولا عسر، وهذه أيضًا بشارة كبيرة، ووعد آخر كريم أن الله ييسر رسوله صلى الله عليه وسلم لليسرى في جميع أموره، ويجعل شرعه ودينه يسرا، يسهل على النفوس قبوله، ولا يصعب على العقول فهمه، واليسرى أن تكون أموره ميسرة، ولاسيما في طاعة الله عز وجل، ولهذا لم يقع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في شدة وضنك إلا وجد له مخرجًا عليه الصلاة والسلام.

هكذا كان رسول الله في كل أمره .. ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما... وأحاديثه التي تحض على اليسر والسماحة والرفق في تناول الأمور-

·        وفي أولها أمر العقيدة وتكاليفها - كثيرة جدا.

               -  من هذا قوله : (إن هذا الدين يسر ، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه) [ أخرجه البخاري ]..
                - وقوله: (يسروا ولا تعسروا) [أخرجه الشيخان ] .

    أما أصول الدين وعقائده فقد جاءت ميسرةً في مطلوباتها ، واضحةً في أدلتها ، من الإيمان بالله وأسمائه وصفاته وكماله ، والإيمان بالملائكة ، والكتب ، والنبيين ، والإيمان باليوم الآخر ، وبالقدر خيره وشرهوالدلائل على ذلك ظاهرة من النظر في السماوات وفي الأرض وسائر المخلوقات ، والسير في الأرض والاعتبار بآثار الأمم ، ويأتي ذلك مسلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن بعدهم من السلف التابعين لهم لم يكونوا أهل تكلف ولا كثرة سؤال أو اختلاف ،

·        وفي التعامل : (رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى) [ أخرجه البخاري ].

  ومن اللمحات العميقة الدلالة كراهيته للعسر والصعوبة حتى في الأسماء وسمات الوجوه ، مما يوحي بحقيقة فطرته وصنع ربه بها وتيسيره لليسرى انطباعا وتكوينا . وسيرة رسول الله كلها صفحات من السماحة واليسر والهوادة واللين والتوفيق إلى اليسر في تناول الأمور جميعا.

       -  فعندما قدم حَزَن رضي الله عنه الصحابي الجليل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو جد سعيد بن المسيَّب العالم المشهور رحمه الله، غيّر النبي صلى الله عليه وسلم اسمه إلى سهل، فقال له الرجل: لا أغير اسماً سمانيه أبي، يقول سعيدٌ بن المسيب رحمه الله: فما زالت تلك الحزونة فينا بعد" [ أي الشدة والصلابة والعسر }

      -  وكان صلى الله عليه وسلم يعجبه التفاؤل حتى في الأسماء، فقد جاء في الحديث الصحيح " أنه كان صلى الله عليه وسلم يعجبه إذا خرج لحاجته أن يسمع يا راشد".

  -  الشّريعة يُسْر كلها، لا عُسر فيها بوجه من الوجوه، ولم يرد وصفها بالمشقة أو العسر، ولا بالتوسط بين اليسر والشدة، بل يسّر الله رسوله لليسرى .
                                                                                                    
وقد وقع في أذهان بعض الناس أن الشريعة تعني الزجر والمنع والنهي، حتى صاروا يظنون أن فقه العالم هو في تشديده على الناس ومنعه وكثرة التحريم عنده، وأن هذا دليل على الورع والتقوى .

وصار آخرون إذا سمعوا مبيحاً لما اعتادوا تحريمه طالبوه بالدليل والحجة ، وقالوا بأنه ليس من أهل الاجتهاد ، وإذا سمعوا محرماً وافقوه وأقروه ولم يطالبوه بحجة ، ولا وصموه بالتقاصر عن الرتبة حتى لو كان عاميّاً أو حدث بالسن.

        -  ويقول سفيان -رحمه الله-: إنما الفقه عندنا الرخصة من ثقة، وأما التشديد فيحسنه كل أحد.

فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى ﴿٩ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى ﴿١٠ وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى ﴿١١ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ﴿١٢

عظ الناس يا محمد صلى الله عليك وسلم بما أوحينا إليك، وأرشدهم إلى سبل الخير، واهدهم إلى شرائع الدين


﴿ فَذَكِّر إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾

في محل تنفع فيه الذكرى، فتكون ﴿ إِنْ شرطية، أي: إن نفع التذكير والعظة والنصيحة فذكر، وإن لم تنفع فلا تذكر، لأنه لا فائدة من تذكير قوم نعلم أنهم لا ينتفعون، وتقييد التذكير بنفع الذكرى؛

  - فالشرط في الآية على حقيقته، وأن الآية سيقت مساق التخفيف عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم كاد يهلك نفسه في دعوة البعض، ولم ير منهم إلا صداً وعناداً، كما قال تعالى: {فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا} (الكهف:6)، فأمره سبحانه بأن يخص بالتذكير من كان يرجى منه استجابة وقبولاً، ولا يتعب نفسه في تذكير من لا يورثه التذكير إلا عتوا ونفوراً وفساداً وغروراً، كما قال تعالى: {فذكر بالقرآن من يخاف وعيد} (ق:45). وقد مال إلى هذا التوجيه الآلوسي، من جهة إبقاء الشرط على حقيقته، وكونه أنسب لمساق الآية بعدُ. فالأمر بالتذكير - بحسب هذا التوجيه - إنما يكون لمن يرجى منه القبول والاستجابة. 

    *   وقال بعض العلماء: المعنى ذكِّر على كل حال ، والذكرى سوف تنفع، فتكون: (إن) في معنى: (قد)، فالذكرى لابد منها حتى وإن ظننت أنها لا تنفع، فإنها سوف تنفعك أنت، وسوف يعلم الناس أن هذا الشيء الذي ذكرت عنه إما واجب، وإما حرام، وإذا سكتَّ والناس يفعلون المحرم، قال الناس: لو كان هذا محرمًا لذكَّر به العلماء، أو لو كان هذا واجبًا لذكَّر به العلماء، فلابد من التذكير ولابد من نشر الشريعة سواء نفعت أم لم تنفع.

  -  وعن مقاتل‏:‏ فذكر وقد نفعت الذكرى‏.‏

  -  وقيل‏:‏ ذكر إن نفعت الذكرى وإن لم تنفع‏

   *  هناك معنى آخر[8] :  وهي أنَّها بِمَعْنى حيْثُ، أيْ فَذَكِّر حيث تنْفعُ الذِّكْرى أيْ كلما وجدْتَ فُرْصَةً ذَكِّرْ، وكلما وجدْتَ وسيلةً ذَكِّرْ، وكلما وجدْتَ قلباً واعِياً ذَكِّرْ، جُلوسك مع الناس فرصة للتذكير، وكذا إنْ زارك شخْصٌ، وإذا خدمْتَ شخْصاً خِدْمَةً، وأبْدى لك اهْتِماماً كبيراً فقَلْبُ هذا الشخْص مُهَيَّأ فما عليك إلا أنْ تُذَكِّره، إذاً ذَكِرْ حيث وجدت فرصةً وقلباً واعِياً ووسيلَةً! هذا المعنى الثاني من معاني إنْ، فالمعنى الأول شَرْطي أما المعنى الثاني ظَرْفي.

·        ثم من يحدد اهتداء الناس ووصول الخير إليهم ،؟ وقد يجعل البعض من عدم اكتراث أحد المدعوين واستجابته الفورية ذريعة وحجة لتركه والإعراض عنه !!

 فهذه الآية الكريمة قد يفهمها بعض من يخوض غمار الدعوة إلى الله فهماً خاطئاً، فيقول: إن دعوتي لفلان لم تأت بخير، أو يقول: إني دعوتُ فلانا وفلانا مراراً وتكراراً، فلم أجد منهم إلا صداً وامتناعاً، أو يقول: إن من دعوتهم غيرُ مؤهلين لقبول دعوة الإسلام، فلا جدوى لدعوتهم ثانية وثالثة، أو يقول نحو هذا مما يقال من الكلام الذي لا يليق بصاحب الدعوة.

    -  وهذا مما سقط فيه البعض غلطا في فهم قوله تعالى : : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) المائدة / 105  حتى تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر!!

    قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي في تفسير قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) المائدة / 105  
قد يتوهم الجاهل من ظاهر هذه الآية الكريمة عدم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولكن نفس الآية فيها الإشارة إلى أن ذلك فيما إذا بلغ جهده فلم يقبل منه المأمور، وذلك في قوله (إذا اهتديتم ) لأن من ترك الأمر بالمعروف لم يهتد.[9] 

   -  والأحاديث على أن الناس إن لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر ، عمهم الله بعذاب من عنده ، فمن ذلك ...

  - وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال : " يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن رأى الناس الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه" [10]

  -  وعَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ , قَالَ : أَتَيْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ , قَالَ : قُلْتُ : كَيْفَ تَصْنَعُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ , قَالَ : أَيَّةُ آيَةٍ , قُلْتُيَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ سورة المائدة آية 105 قَالَ : سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا , سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : " بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ , حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا , وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً , وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ , وَرَأَيْتَ أَمْرًا لَا يَدَانِ لَكَ بِهِ , فَعَلَيْكَ خُوَيْصَةَ نَفْسِكَ , وَدَعْ أَمْرَ الْعَوَامِّ , فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ ، الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلِ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ , لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ " .


سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى 

سيتعظ بما تبلغه يا محمد صلى الله عليه وسلم مَن كان يخشى الله ويعلم أنه ملاقيه، ويخاف عقابه؛ لأنه هو الذي يتأمل في كل ما تذكره له، فيتبين له وجه الصواب، ويظهر له سبيل الحق.

    1.  القسم الأول:  من يخشى الله عز وجل، أي يخافه خوفًا عن علم بعظمته جل وعلا، فهذا إذا ذكِّر بآيات ربه تذكَّر، كما قال تعالى في وصف عباد الرحمن: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا [الفرقان: 73]. فمن يخشى الله ويخاف الله إذا ذكُّر ووعظ بآيات الله اتعظ وانتفع وازداد بالتذكير خشية


·       وأخشى الناس لله تعالى هم العلماء : قالت تعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء .
                                                                                                                                      
            -  وقال بعض السلف: ليس العلم بكثرة الرواية ولكن العلم الخشية.    

            -  وقال بعضهم: من خشي اللَهَ فهو عالم، ومن عصاه فهو جاهل، وكلامهم في هذا المعنى كثير جداً.

            -  وكان الإمام أحمد رحمه اللَه يقول عن معروف معه أصل العلم خشية اللَه، فأصل العلم باللَه الذي يوجب خشيته، ومحبته، والقرب منه والأنس به والشوق إليه، ثم يتلوه العلم بأحكام اللَه وما يحبه ويرضاه من العبد، من قول أو عمل، أو حال، أو اعتقاد، فمن تحقق بهذين العلمين كان علمه علماً نافعاً وحصل له العلم النافع، والقلب الخاشع، والنفس القانعة، والدعاء المسموع.
                       -  وسأل فرقد السنجي الحسن البصري عن شيء فأجابه، فقال إن الفقهاء يخالفونك.
فقال الحسن: ثكلتك أمك فُرَيْقِدُ وهل رأيت بعينيك فقيها، إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بدينه، المداوم على عبادة ربه، الذي لا يهمز من فوقه، ولا يسخر بمن دونه، ولا يبتغى على علم علَّمه لله تعالى أجراً.

والقسم الثانيأشار إليه قوله :


﴿ وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى 

و﴿ الْأَشْقَى : اسم تفضيل من الشقاء، قال الله: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ [هود: 106]، وهو المتصف بالشقاوة البالغ غايتها من الكفرة، لإصراره على الكفر، وانهماكه في المعاصي، ولتوغله في عداوة النبي صلى الله عليه وسلم، فالكافر يُذكر ولا ينتفع بالذكرى بل يتجنبها ويبتعد عنها، ولا يسمعها سماع قبول. وضد ذلك السعادة، قال تعالى:﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ [هود: 108].

   -  كمثل قوله تعالى : إذ انبعث أشقاها .

والناس بالنظر إلى دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم أقسام ثلاثة:

1-         عارف صحتها، موقن بصدقها، لا يدور بخلده تردد ولا شك، وهذا هو المؤمن الكامل الذي يخشى ربه.
   2-       ومتردد متوقف إلى أن يقوم لديه البرهان، فإذا هو سنح له بادر إلى التصديق بها، وهذا أدنى من سابقه.
  3-       وشقي معاند لا يلين قلبه للذكرى، ولا تنال الدعوة من نفسه قبولا، وهو شر الأقسام وأبعدها من الخير.

 فالقلب الذي ينبض بالحياة هو الذي سيتذكَّر، أما القلب الميِّت فلا يذكر

  -   وربُّنا سبحانه يقول: ﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ {سورة النحل: 21 }
  -  ويقول تعالى: ﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ سورة المنافقون:
  -  ويقول تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ سورة الجمعة.

- والنبي الكريم صلى الله عليه وسلم يقول: الناس رجلان رجل بر تقي كريم على الله وفاجر شقي هين على الله .  [11]

فلا يوجد حلّ وسط إما أن تكون سعيداً وإما أن تكون شَقِيّاً، إما أن تكون سعيداً بِمَعْرِفَتِه والصلة به، وإما أن يكون المرء شَقِيّاً بالابتعاد عنه والجهل به


الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى

يدخل النار العظيمة الفظيعة، فيعذب عذابًا أليمًا، من غير راحة ولا استراحة، حتى إن أهل النار يتمنون الموت فلا يحصل لهم، كما قال تعالى: ﴿ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا [فاطر: 36] وهي: الطبقة السفلى من طبقات النار؛ لأنها أشد حرا من غيرها، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا [النساء: 145].

فكما أن الكفار أشقى العصاة، كذلك يصلون أعظم النيران، وقيل: الكبرى: نار جهنم، لأن نار الدنيا صغرى بالنسبة لها،

 -  عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ناركم هذه ما يوقد بنو آدم جزء واحد من سبعين جزءا من نار جهنم قالوا والله إن كانت لكافية قال إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلهن مثل حرها ) متفق عليه.

ثم بين الله تعالى عاقبة هذا الأشقى، ومآل أمره فقال:


ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى ﴿١٣

هذا الشقي لا يموت فيستريح مما هو فيه من العذاب، ولا يحيا حياة سعيدة فينتفع بها، فهم أحياء في الواقع، لكن أحياء يعذبون ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا [النساء: 56].

    -    وكما حكاه الله جل جلاله عنهم ﴿ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ ﴾ وهو خازن النار﴿ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ﴾أي ليهلكنا ويريحنا من هذا العذاب ﴿ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ ﴾ فلا راحة حينئذ، بل هم في عذاب، ويقال لهم: ﴿ لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [الزخرف:77-78] وبهذا يظل يشعر بما يعاقب به من أليم العذاب وأنواع النكال.

   -     عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن أناس - أو كما قال - تصيبهم النار بذنوبهم - أو قال: بخطاياهم - فيميتهم إماتة حتى إذا صاروا فحما أذن في الشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة فيقال: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل» رواه مسلم.     قال: فقال رجل من القوم حينئذ: كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بالبادية.

·          والمعنى أنهم لا يموتون فيها ميتة يستريحون بها، ولا يحيون حياة يسعدون بها، فهم في عذاب وجحيم، وشدة يتمنون الموت ولكن لا يحصل لهم.

لذلك كلّ عطاء ينتهي بالموت فهو ليس بِعَطاء، الكريم لا يفعل هذا، مادام ينتهي بالموت فهو لا يُسمى عطاءً، سيدنا علي يقول: فلْيَنظر عاقل بِعَقْله أنَّ الله أكرم محمداً أم أهانه حين زوى عنه الدنيا؟ من قال: أهانه فقد كذب، ومن قال: أكرمه فلقد أهان غيره حيث أعْطاه الدنيا، لو أنَّ الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها الكافر شَرْبة ماء، الدنيا جيفة طُلابها كلابها، الدنيا دار من لا دار له، ولها يسْعى من لا عقل له! إنَّ أكْيَسَكم أكثركم للموت ذِكْراً، وأحْزَمَكُم أشَدَّكم اسْتِعْداداً له، ألا وإنَّ من علامات العقل التجافي عن دار الغُرور، والإنابة إلى دار الخُلود، والتَّزَوُّد بِسُكْنى القبور، والتأهُّب بِيَوْم النشور، فالعطاء في الدنيا لا يُسَمى عطاءً

قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى ﴿١٤ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴿١٥

·     الفلاح :  كلمة جامعة لكل خير، دافعة لكل شر، والمراد: قد فاز المتزكي بالمطلوب وربح وظفر بما يرجوه، ونجا من المكروه ومن المرهوب.

·     والتزكية : هي التطهير والنقاء، ومنه سميت الزكاة زكاة؛ لأنها تطهر الإنسان من الأخلاق الرذيلة، أخلاق البخل،
   - كما قال تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة: 103].

 - ذهب الغزالي رحمه الله إلى أن التزكية : فرض عين  على كل مؤمن ولو لم يكن متحلياً بالأخلاق الذميمة، فيلزم كل أحد أن يتعلم أمراض القلب وكيفية تطهيرها. 

الذي نجح وأفلح وسعِد وتفَوَّق وحقَّقَ الهدف، وسعِدَ إلى أبد الآبِدين هو من تزَكَّى، اُنظر إلى حال الناس في هذه الأيام، من مِن الناس يعْنيه أمر نفْسه؟ الناس جميعاً يعْنيهم أمر دُنياهم؛ بيْتُهُ واسع ومُزَيَّن، ومَرْكب نقْل مُريح وفَخْم، ويحْتاج إلى دخْلٍ كبير، ولا بد أنْ يسَرّ بالحياة، ولبسٌ جيّد ومظهر لائق، ووقت فراغ غَنِيّ بالنزهات والسهرات! من الذي يعْنيه أمْر نفسه؛ قد أفلح من تزكى! كُلّ هذه المظاهر المادِيَّة تنْتهي بالموت مهما عَلَوْتَ في الدنيا، ومهما كَثُرَ مالك، مهما غُصْتَ في نعيمها، يأتي الموت فَيَسْلُبُك كُلّ هذه المُتَع والمسرات والنعيم في ثانِيَة واحدة، لكن الفلاح والنجاح أن تتزَكى، ما معنى تتزَكى؟
قال بعضهم: قد أفلح من تزكى؛ أيْ مَن طَهَّرَ نفسه من الأدران الخبيثة لأن أمْراض الجسد تنتهي بالموت! لكن خَطَرَ أمراض النفْس يبْدأ بالموت، واحدٌ مُتَكَبِّر وحقود وحسود لئيم، يُحِبّ ذاته، ويقبل أن يبني مَجْدَهُ على الآخرين، وثَرْوَتَهُ على فقْرِ الآخرين، وأن يبني نفسه على إتْلاف الآخرين، وهو في الدنيا مُخَدَّر، الناس نِيام إذا ماتوا انتَبَهوا، فهذا الذي تزكى طَهَّر نفسه من كُلّ الأدران والمُيول المُنْحَرِفَة ومن كُلّ الشهوات والنقائِص فقد أفلح، ومن معاني التزكية أيضاً التَحَلِّي بالكمال والتخلِّي عن الانحرافات، فلا بد من تحْلِيَة وتَخْلِيَة، فالصباغ قبل أن يغمس القماش في الدهن يقوم بِتَنْظيفه، فإن كان في القُماش مواد زَيْتِيَّة فالصِّباغ لا يعْلق ولا يؤثر فيه، فلا بد من تحْلِيَة وتَخْلِيَة، لا بد من تطْهير النفْس من الأدران، ثمّ تَحْلِيَتِها بالكمال، فالتطْهير والتَّحْلِيَة هو التَزَكي، وهذا هو الفلاح، لأنَّهُ يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم، هذا الجُمود الكبير الذي يبْذِلُهُ الإنسان في الدنيا كي يُطَهِّرَ نفسه من كُلّ دَرَنٍ وعُجْبٍ وشِرْكٍ واسْتِعْلاء وكِبْر وحِقْد وضغينة وأَثَرَة وحُبِّ الذات

   ثم إن التزكية فضل وتوفيق لا يحصل للعبد إلا بمشيئة الله، فعلى العبد الدعاء وطلب العون من الله عليها  .

    - قال تبارك وتعالى: ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [النور: 21].

أمّا تزكية النفس، بمعنى امتداحها والاغترار بذلك، فهذا جاء النهي عنه،

     - قال تعالى: ﴿ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [ النجم: 32]. وخاصة أن ذلك المديح قد لا يكون صحيحا، قال تعالى:﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا [الحجرات: 14].

    -  كما ظهر ذلك من فرعون في قوله عن موسى - عليه السلام: ﴿ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ [الزخرف: 52].

·        مما ورد عن السلف :

   -  قيل لسليمان التيمي: أنتَ أنتَ، ومنْ مثلُك؟! قال: لا تقولوا هكذا! لا أدري ما يبدو لي من ربي عز وجل، سمعت الله عز وجل يقول: (وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ)

   -  قال ابراهيم بن أبي عبلة كنت جالساً مع أم الدرداء فأتاها آت فقاليا أم الدرداء إن رجلاً نال منك عند عبد الملك بن مروان فقالتإن نُؤْبَنْ بما ليس فينا فطالما زُكّينا بما ليس فينا.

   -  قال عطاء السليمي:   سمعت جعفر بن زيد العبدي يذكر أن رجلاً مر بمجلس فأُثني عليه خيراً فلما جاوزهم قالاللهم إن هؤلاء لم يعرفوني وأنت تعرفني.

  -  كان ابنُ محيريزٍ إذا مُدحَ قالَوما يُدريكَ؟! وما علمك؟!

  -  كان يزيد بن ميسرة يقول  إذا زكّاكَ رجلٌ في وجهِكَ فأَنْكِرْ عليهِ واغضبْ ولا تُقِرَّ بذلكَ، وقلْ: اللهمَّ لا تؤاخذْني بما يقولونَ، واغفرْ لي ما لا يعلمون.

وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ :

واتصف بذكر الله، وانصبغ به قلبه ولسانه، فا ستحضر في قلبه صفات ربه من الجلال والكمال، فخضع لجبروته وقهره، فإن المرء متى ذكر ربه العظيم، وجل قلبه وخاف من سطوته وامتلأت نفسه خشية منه، ورهبة لجلاله، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال: 2].
                                                                                                                                                                
﴿ فَصَلَّى  

فأوجب له ذلك الإقبال على الله، والعمل بما يرضي الله، فأقام الصلاة التي هي ميزان الإيمان

وقد ذ كر بعضهم أن تزكى محمولة على زكاة المال قبل أداء عبادة الصلاة :

    -  وكذلك جاء عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أنه كان يأمر الناس بإخراج صدقة الفطر ، ويتلو هذه الآية ( قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى )
    -  وقال أبو الأحوص : إذا أتى أحدكم سائل وهو يريد الصلاة ، فليقدم بين يدي صلاته زكاته ، فإن الله يقول : ( قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى )
    -  وقال قتادة في هذه الآية ( قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى ) زكى ماله وأرضى خالقه .


بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴿١٦ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴿١٧

·        ﴿ بَلْ  هنا للإضراب الانتقالي، لبيان حال الإنسان في إيثار العاجل على الآجل

﴿ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا 

تقدمونها وتختارون نعيمها المنغص المكدر الزائل على أمر الآخرة الباقية، وتستبدلونها بالذي فيه نفعكم وصلاحكم في معاشكم ومعادكم.
فالكافر يؤثرها إيثار كفر يرى أن لا آخرة، والمؤمن يؤثرها إيثار معصية وغلبة نفس إلا من عصم الله تعالى.

ومن أسباب ذلك:

   -   الجهل: وعدم العلم بالحقائق، كما في قوله تعالى:﴿ وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت: 64].

  -  أن الدنيا زينت للناس وعجلت لهم ، كما في قوله: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ [آل عمران: 14].

والإنسان خلق من عجل، يحب العاجلة – التي هي الدنيا – وغالب حاله العجلة والاستعجال، قال تعالى: ﴿ وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا   [الإسراء: 11]

  -  عن عرفجة الثقفي قال : استقرأت ابن مسعود : ( سبح اسم ربك الأعلى ) فلما بلغ : ( بل تؤثرون الحياة الدنيا ) ترك القراءة ، وأقبل على أصحابه وقال : آثرنا الدنيا على الآخرة . فسكت القوم ، فقال : آثرنا الدنيا لأنا رأينا زينتها ونساءها وطعامها وشرابها ، وزويت عنا الآخرة فاخترنا هذا العاجل وتركنا الآجل .

 - عن أبي موسى الأشعري : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من أحب دنياه أضر بآخرته ، ومن أحب آخرته أضر بدنياه ، فآثروا ما يبقى على ما يفنى " . تفرد به أحمد .

وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى

والآخرة خير من الدنيا في كل وصف مطلوب  ..

     -  ﴿ وَأَبْقَى ﴾ لكونها دار خلد وبقاء وصفاء، والدنيا دار فناء، فالمؤمن العاقل لا يختار الأردأ على الأجود، ولا يبيع لذة ساعة، بترحة الأبد، فحب الدنيا وإيثارها على الآخرة رأس كل خطيئة، فكيف يؤثر عاقل ما يفنى على ما يبقى، ويهتم بما يزول عنه قريبا ويترك الاهتمام بدار البقاء والخلد.

      -  عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى» أخرجه أحمد وصححه الألباني.

      -  قال مالك بن دينار: لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من خزف يبقى، لكان الواجب أن يؤثر خزف يبقى على ذهب يفنى، فكيف والآخرة من ذهب يبقى، والدنيا من خزف يفنى.

إن ظواهر الأشياء إلى حقائقها، كالقشر بالنسبة إلى اللب، واللب خير من القشر وأبقى؛ فأرباب القشور يؤثرون الأمور الظاهرة الخسيسة الفانية على الأمور المعنوية الشريفة الباقية؛ لكونهم محجوبين عن الآخرة، أما أولوا الألباب وأرباب اللباب يختارون الله والدار الآخرة، بل اللهَ يختارون ويؤثرون، قال تعالى: ﴿ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ [الأنعام: 91].فمتاع الآخرة دائم، ونعيمها لا يزول، ولا منّ فيه ولا تنقيص ، ومتاع الدنيا متاع زائل تشوبه الأكدار، وتحوط به الآلام

إِنَّ هَـذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى ﴿١٨ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ﴿١٩

لثابت في الشرائع لا يختلف باختلافها، في جميع الصحف السالفة والسابقة على هذه الأمة.

﴿ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى 

كل ذلك ثابت في ﴿ صُحُفِ ﴾ أبيك الخليل ﴿ إِبْرَاهِيمَ ﴾ عليه السلام ﴿ وَ ﴾صحف أخيك الكليم ﴿ مُوسَى ﴾ عليه السلام وهما أشرف الأنبياء والمرسلين، بعد النبي محمد صلى الله عليه وسلم،
   - وفي صحف كل منهما من المواعظ ما تلين به القلوب وتصلح به الأحوال، وهذا يؤكد ترابط الكتب السماوية،

  -  ومثله قوله تعالى: ﴿ أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى *وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى * وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى [النجم: 36 – 42]

فهذه أوامر في كل شريعة، لكونها عائدة إلى مصالح الدارين، وهي مصالح في كل زمان ومكان، وهي شريعة الله وحكمه في الأولين والآخرين.











































[1]  رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْن مَاجَه والدارمي، وحسنه الألباني؛ وذلك ليقرن أثر التنزيه الفعلي بأثر التنزيه القولي.
[2]  النابلسي
[3]  بأن مكرهم محاولتهم قتل عيسى ، ومكر الله إلقاء الشبه ، أي : شبه عيسى على غير عيسى
[4]  http://www.aslein.net/showthread.php?t=12646
[5]  تفسير النابلسي
[6]  عنوان الكتاب مستوحى من "جدلية صانع الساعة" التي طرحها ويليام بالي في كتابه "الإلهيات الطبيعية" المنشور عام 1802، وهي مماثَلة (Analogy) لإثبات وجود الله تقول بأن كل نظام معقّد (مثل أنظمة المتعضيات الحية) لا بد له من مصمم قام بإيجاده (خالق في حالة المتعضيات الحية)، تماما مثل أن كل ساعة -بكل ما تحويه من تراكيب معقدة- لا بد لها من صانع ساعات قام بتصميمها. دوكنز يرد على هذه المماثلة بالقول بأن عملية الانتقاء الطبيعي في تكوين المتعضيات يمكن مماثلتها بصانع ساعات "أعمى"، ويشرح دوكنز في الكتاب الفرق بين احتمال إيجاد نظام معقد بواسطة العشوائية فقط، وبين احتمال إيجاده بواسطة العشوائية المصحوبة بالانتقاء التراكمي.
[7]  النابلسي
[8]  تفسير من موسوعة النابلسي
[9]  وممن قال بهذا حذيفة وسعيد بن المسيب كما نقله عنهما الألوسي في تفسيره ، وابن جرير ، ونقله القرطبي عن سعيد بن المسيب ، وأبي عبيد القاسم بن سلام ، ونقل نحوه ابن جرير عن جماعة من الصحابة منهم ابن عمر وابن مسعود .

[10]  رواه أبو داود ( 4338 ) والترمذي ( 2168 ) والنسائي بأسانيد صحيحة ( وصححه الألباني في صحيح الترمذي برقم 2448 ) ) انتهى من أضواء البيان 2/169

[11]  الترمذي والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر

0 comentarios:

Publicar un comentario