دخول العام الجديد
وحالنا وحال أمتنا
عام جديد وعلى عملنا شاهد، عام مضى بالأفراح والأقراح، وباللذات
والأتعاب، وبالليالي والأيام، وبالدقائق والساعات، وبالأسابيع والشهور، عقارب
الساعة تعمل فينا، تسرق منا الشباب، ويسرع بنا الزمان، وتزين لنا الحياة، ونحن
نستبطئ التوبة، ونسوف الهجرة.
لقد أتت هذه
الذكرى هذه الأيام، وتلك الواقعة التاريخية المتجددة المعاني، أتت علينا هذا العام
وأمَّتنا ما زالت جراحاتها تنزف، داخليًّا وخارجيًّا، كنَّا نودُّ أن تأتيَ الذكرى
علينا، ونحن أحسن حالاً؛ ولكن تأبَى الجراح أن تندمل.
- جراحات مِن فساد وعريٍ فاضح، وتجرُّد من أيسر معاني الإسلام.
- جراحات مِن فساد وعريٍ فاضح، وتجرُّد من أيسر معاني الإسلام.
- جراحات تنزف لإقصاء الشريعة
عنِ التطبيق، ومحاولة تشويه صورتها.
- جراحات تنزف من خيانة
الخائنين، وغدر المقرَّبين، وسطوة الظالمين.
- جراحات تنـزف، ودماء تقطر، في
بلادنا المنتهَكة سياسيًّا واقتصاديًّا وفكريًّا.
- جراحات في أرض الله المبارَكة
- أرض التين والزيتون - ولكن سيأتي الأوان حتمًا.
إن مرور سنة على الإنسان وحده شيء خطير، بل
مرور يوم واحد على الإنسان شيء خطير،
- لقد كان مما يُرْوَى عن الحسن البصري
-رضي الله عنه- قوله: "ما من يوم ينشق
فجره إلا ويقول: يا ابن آدم أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود فِيَّ بعمل صالح فإنى
لا أعود إلى يوم القيامة".
فإذا كان مرور يوم له هذه الأهمية، فكيف بمرور عام؟ إن طبيعة الإنسان أن
ينسى، ولعل النسيان بعض ما يقيم الحياة الإنسانية ويجعلنا نحسن البقاء على ظهر الأرض،
فلو استصحب الإنسان كل ألم نزل به، وكل نكبة أقضَّتْ مضجعه، لعاش مسهَّدا، بل لكره
العيش!
· ونحن، إذ نواجه عاما جديدا، نحب أن نستقبله وقد فكرنا في صفحة جديدة، وقد فكرنا في أن نخط مستقبلنا على النحو الذي يُرضي ربنا، ويعز
جانبنا. إن الأوربيين يصنعون في منتصف أول يناير حركة تمثيلية يطفئون فيها الأنوار
ثم يضيئونها علامة الفصل بين عام مضى وعام بقي، والحقيقة أن الأوربيين عبدوا
الحاضر وقدَّسوا التراب، ونسوا الله! وإن إطفاء الأنوار في أحفالهم وفي أيامهم لا
يعنى إلا انتهاز المتع الحرام، واستغلال الأوقات في معصية الله.
أهم حدث في الذكرى هي
الهجرة النبوية الشريفة :
- حين هاجر المسلمون من دار الاضطهاد والاستذلال إلى دار العزة والمنعة،
فمنذ أن صدع النبي صلى الله عليه وسلم بأمر ربه وهو يلاقي وصحبه من طواغيت قريش
العنت والإيذاء بكل صوره، فقد كانوا قبل الهجرة أفرادا مستضعفين ذاقوا من ألوان
التعذيب المادي والمعنوي الشيء الكثير، لا لشيء إلا لأنهم قالوا ربنا الله، وكفروا
بالجبت والطاغوت، وسجل التاريخ للنبي الأعظم وللمسلمين الأول بمداد من نور صبرهم
وتضحياتهم في سبيل رفع راية الحق، يقول الحق جل وعلا إِلا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ
اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي
الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ
اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ
كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا
وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيم .
رحلة الهجرة النبوية
المباركة فقد كانت قومة كبرى على نظام يرى لنفسه السيادة والريادة على المستوى
السياسي والتجاري والاجتماعي، بل والديني أيضًا على سائر جزيرة العرب بشرًا وحجرًا
وما كان يتوهم أباطرة هذا النظام أن ينازعهم في سلطانهم منازع، فاستباحوا الكذب
والتدليس ليشوهوا صورة الرسالة والرسول صلى الله عليه وسلم، وانتهجوا سياسة
التعذيب والقتل وانتهاك الحرمات، وتكررت المآسي منذ الانكسار التاريخي مع حكام
الجبر الذين لا يراعون في الشعوب إلا ولا ذمة، فاستباحوا كل شيء، واستغلوا مناصبهم
لتكديس الثروات، غير آبهين بمعاناة المستضعفين وصرخاتهم.
- يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى: "تألفت الجماعة في مكة، وبرهنت بصمودها على أصناف الأذى وضروب البغي،
وبتماسكها، على أنها مجتمع متميز، رغم بقاء المومنين في نطاق الأسرة والعشيرة. أدت
التربية النبوية مهمتها في صياغة إنسان جديد، وربط علاقات جديدة متينة لا تنال
منها المحن. فأصبحت الجماعة قادرة على تحمل صدمات أقصى على درب الجهاد. وأصبح قيام
دولة القرآن ممكنا بوجود حملة للدولة ودعائم لبنائها. بيد أن عداء مكة وظروفها،
وهيمنة الملإ عليها، وعدم التوازن والتكافؤ الكبيرين بين القوة الناشئة والجاهلية
المسيطرة لا تسمح بمحاولة القومة المباشرة. كان لا بد من أرض تحتضن دولة القرآن في
ميلادها، وتحصنها من عدوان عالم الجاهلية، وهي لا تشكل عددا إلا نقطة في بحر" [1].
فالهجرة بهذا المعنى لم تكن
انتقالاً مادياً من بلد إلى آخر فحسب.
ولكنها كانت انتقالاً معنوياً من حال إلى حال، إذ نقلت الدعوة
الإسلامية من حالة الضعف إلى القوة ومن حالة القلة إلى الكثرة، ومن حالة التفرقة
إلى الوحدة، ومن حالة الجمود إلى الحركة.
- لابد من التأكيد على حقيقة مفادها أنه ليست الهجرة انتقال من بلد ناء إلي
بلد قريب، أو من أرض مجدبة إلى أرض خصبة، بل هي هجرة القلوب قبل البيوت..
إن رجلا هاجر وهو ضعيف مريض عاجز فأدركه الموت في
الطريق فقال من قال: لو
وصل المدينة وأكمل الهجرة لحاز الأجر كله..
- فانزل الله قرآنا يهدي النفوس ويطمئن القلوب ويربط الأعمال بالنيات ابتداء
((وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً
وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ
الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَّحِيماً .))
لا تغيير ولا تجديد
بدون هجرة :
لا نقصد
الهجرة التي هي قانون في الوجود والطبيعة :
و هي مثلا أن يختار الفرد أو الجماعة مكانا اخر غير موطنه
للسكن والهجرة إليه، أمّا للدراسة أو العمل أو للهرب من تهديد وبالعادة يتم
الانتقال من بلد ذات أوضاع اقتصادية وسياسية أسوء إلى بلد آخر يتميّز بمستوى
اقتصادي وسياسي أفضل للاستقرار به، وإنشاء حياة جديدة في البلد الجديد وقد تكون
الهجرة بسبب الكوارث المفاجئة كالزلازل والبراكين ولكن ليس شرطاً أن تكون الهجرة
لخارج البلد بل يمكن أن تكون داخل نفس الدولة من مدينة إلى أخرى، وقد يواجه
المهاجر تحديات أخرى مثل عدم اتقانه للغة الدولة التي هاجر إليها، أو الاكتظاظ
السكاني في الدولة المستقبلة ويعامل أبناء المهاجرين بعدم العدل في المعاملة سواء
بالدراسة أو العمل أو السكن أو العلاج ويعيش معظمهم في الأحياء الفقيرة التي تعاني
من الازدحام.
في الحركة إثارة، وقصص، وتجارب تروى، وخبرات تكتسب، ونضج عقلي
وثقة وعزيمة وإصرار وهذه علامات لأفراد المجتمع الراغب في التغيير للأفضل. ولاشك
إن استقرار الشخص مع عائلته وفي مجتمعه قد يكون شيئاً ضرورياً لسعادته؛ ولكن
تحديات الوضع الراهن تتطلب منا البحث والتنقيب ومعرفة كيف تطور الآخرون وتقدموا
وبقينا نحن نسير بسكون وهدوء في المؤخرة.
-قال الشافعي_رحمه الله:
ما في المقامِ لذي
عقلٍ وذي أدبِ مِنْ رَاحَة ٍ فَدعِ الأَوْطَانَ واغْتَرِبِ
سافر تجد عوضاً عمَّن تفارقهُ وَانْصِبْ فَإنَّ لَذِيذَ الْعَيْشِ فِي النَّصَبِ
إني رأيتُ وقوفَ الماء يفسدهُ إنْ سَاحَ طَابَ وَإنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ
والأسدُ لولا فراقُ الأرض ما افترست والسَّهمُ لولا فراقُ القوسِ لم يصب
والشمس لو وقفت في الفلكِ دائمةً لَمَلَّهَا النَّاسُ مِنْ عُجْمٍ وَمِنَ عَرَبِ
والتَّبْرَ كالتُّرْبَ مُلْقَى ً في أَمَاكِنِهِ والعودُ في أرضه نوعً من الحطب
فإن تغرَّب هذا عزَّ مطلبهُ وإنْ تَغَرَّبَ ذَاكَ عَزَّ كالذَّهَبِ
سافر تجد عوضاً عمَّن تفارقهُ وَانْصِبْ فَإنَّ لَذِيذَ الْعَيْشِ فِي النَّصَبِ
إني رأيتُ وقوفَ الماء يفسدهُ إنْ سَاحَ طَابَ وَإنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ
والأسدُ لولا فراقُ الأرض ما افترست والسَّهمُ لولا فراقُ القوسِ لم يصب
والشمس لو وقفت في الفلكِ دائمةً لَمَلَّهَا النَّاسُ مِنْ عُجْمٍ وَمِنَ عَرَبِ
والتَّبْرَ كالتُّرْبَ مُلْقَى ً في أَمَاكِنِهِ والعودُ في أرضه نوعً من الحطب
فإن تغرَّب هذا عزَّ مطلبهُ وإنْ تَغَرَّبَ ذَاكَ عَزَّ كالذَّهَبِ
كيف ننزل أحداث
التاريخ والسيرة على واقعنا .
-
يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله: "لا تحسبن أن الهجرة والنصرة معنيان قاما
بجماعة الصحابة ثم ذهبا، كلا. فإن معاني القرآن الكريم خالدة، فعلينا أن نبحث ن
مناط حكمي الهجرة والنصرة في واقعنا الفتنوي. فإذا حددنا من هو المهاجر وما هي
الهجرة والجهاد، اتضح لنا كيف ننزل تلك الأحكام على مجتمعاتنا وفئات الناس فينا" [المنهاج النبوي، ص: 56.
لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد
ونية
- قال النووي في شرح مسلم : ( قوله – صلى الله عليه وسلم : (ولكن جهاد ونية ) ، معناه : أن
تحصيل الخير بسبب الهجرة قد انقطع بفتح مكة ، ولكن حصلوه بالجهاد والنية الصالحة ) .
- وعن
ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا" .
إيذانا منه، عليه الصلاة والسلام، بنهاية الهجرة بالعبادة والدين لأي
مكان، لا إلى جبال أفغانستان ولا إلى أدغال إفريقيا، كما هي قاعدة بعض الدعاة
اليوم..
- فقد ورد في صحيح مسلم رحمه الله
أن مجاشع بن مسعود السلمي رضي الله عنه قال: جئتُ بأخي أبي معبد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفتح،
فقلت: يا رسول الله بايعه على الهجرة. فقال صلى الله عليه وسلم: "قد مضت الهجرةُ بأهلها" قال مجاشع: فبأي شيء تبايعه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "على الإسلام والجهاد والخير"
الهجرة
حركة ولا حديث للتغيير دون انتقال :
والهجرة حركة، وليس في الدين إسلام سكوني، أنت كما تتمنى تعيش لكنك
معجب بهذا الدين، تقدر عظمة هذا الدين، تقول للناس: إن هذا الدين حق، إن هذا
القرآن الكريم حق، هذه الحالة السلبية، الإعجاب السكوني، ليست واردة في الإيمان،
الدين حركة، وما لم تتحرك من مكان إلى مكان، من موقف على موقف، من أصدقاء قبل أن
تعرف الله إلى أصدقاء بعد أن تعرف الله، ما لم يكن هناك حركة، ما لم يكن هناك
تبديل، ما لم يكن هناك انتقال، فالإسلام الذي تتوهمه إسلام سكوني غير حركي، لذلك
الذي تمّ أن التاريخ الإسلامي لم يكن لميلاد النبي عليه الصلاة والسلام، بل كان
لهجرته لأن الهجرة حركة...
ما لم تقف موقفاً معيناً، ما لم تعطِ، ما لم تأخذ، ما لم تغضب، ما لم
ترضَ، ما لم تصل، ما لم تقطع، ما لم تنتقل من مكان إلى مكان، من موقع إلى موقع
بسبب إيمانك، فهذا الإيمان الذي أنت عليه ليس هو الإيمان الذي أراده الله عز وجل.
أعظم الانتقال هو : الانتقال
إلى عالم الحق وإلى الله المكون لا إلى الكون:
من هذا الباب يحدد الإسلام الموطن الأصلي
للمسلم هو تحت ظل عقيدته وإيمانه لا تحت التراب
- كما
قال ابن القيم – رحمه الله : فله فى كل وقت هجرتان: هجرة إلى الله بالطلب والمحبة والعبودية والتوكل
والإِنابة والتسليم والتفويض والخوف والرجاءِ والإِقبال عليه وصدق اللجإ والافتقار
فى كل نفس إِليه، وهجرة إِلى رسوله فى حركاته وسكناته الظاهرة والباطنة، بحيث تكون
موافقة لشرعه الذى هو تفصيل محابّ الله ومرضاته ...
- قال
تعالى : إِنِّي
مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } ( العنكبوت : 26)
- و قال إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي سيهدين .
- يقول
السيد قطب : إنه
لم يهاجر للنجاة. ولم يهاجر إلى أرض أو كسب أو تجارة. إنما هاجر إلى ربه. هاجر
متقربا له ملتجئا إلى حماه. هاجر إليه بقلبه وعقيدته قبل أن يهاجر بلحمه ودمه.
هاجر إليه ليخلص له عبادته ويخلص له قلبه ويخلص له كيانه كله في مهجره، بعيدا عن
موطن الكفر والضلال. بعد أن لم يبق رجاء في أن يفيء القوم إلى الهدى والإيمان بحال.
وعوض الله إبراهيم عن وطنه وعن قومه وعن
أهله- عوضه عن هذا كله ذرية تمضي فيها رسالة الله إلى أن يرث الله الأرض ومن
عليها. فكل الأنبياء وكل الدعوات بعده كانت في ذريته. وهو عوض ضخم في الدنيا وفي
الآخرة ( في ظلال القرآن )
أصغ، رحمك الله، وحفظك، ورعاك، إلى هذه الحكمة من ابن عطاء الله
السكندري رحمه الله:"لا ترحل من كون إلى كون، فتكون كحمار الرحى، يسير والمكان الذي ارتحل
إليه هو المكان الذي ارتحل منه، ولكن ارحل من الأكوان إلى المكون، " وأن إلى ربك المنتهى”.
- وانظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت
هجرته إلى دنيا يصيبها أوامرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" "،
ثم الانتقال
من حالة عالم المعصية والغفلة إلى الطاعة
- قال تعالى: ( انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ
وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ
تَعْلَمُونَ ( التوبة :
41
- عن
معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع
التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها» سنن أبي داود
- وفي الحديث : ( الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ السَّيِّئَاتِ، وَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ
الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» صحيح ابن حبان
- عن عبد الله بن عمرو، قال: جاء أعرابي علوي جريء جاف فقال: يا رسول
الله، أخبرنا عن الهجرة، أهي
إليك حيث كنت؟ أم إلى أرض معروفة؟ أم لقوم خاصة؟ أم إذا مت انقطعت؟ قال: فسكت عنه
رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «أين السائل؟» قال: ها أنا ذا يا رسول
الله، قال: «الهجرة أن تهجر الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ثم أنت مهاجر وإن مت في
الحضر» مسند ابي داود
- عَنْ يُونُسَ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ،
عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ أَنَسٍ، قَالَتْ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ:
جَعَلَكَ اللهُ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى مِنَ الْجَنَّةِ وَأَنَا مَعَكَ
وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ عَلِّمْنِي عَمَلًا صَالِحًا أَعْمَلُهُ، فَقَالَ:
«أَقِيمِي الصَّلَاةَ، فَإِنَّهَا أَفْضَلُ الْجِهَادِ، وَاهْجُرِي الْمَعَاصِي،
فَإِنَّهَا أَفْضَلُ الْهِجْرَةِ، وَاذْكُرِي اللهَ كَثِيرًا، فَإِنَّهُ أَحَبُّ
الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ أَنْ تَلْقِينَهُ بِهِ»
المعجم الكبير للطبراني
.
أنت في مكان الفتن كثيرة جداً، واحتمال أن تضعف
أمامها احتمال قائم، فالهجرة تقتضي أن تترك هذا المكان إلى مكان آخر، وقد يكون
المكان الآخر أقل دخلاً، لكن أكثر أمناً مع الله، فالعبرة أن تتحرك إلى مكان يكون
أقرب إلى الله من المكان الأول، أن تخالط أناساً يقربونك من الله، أن تبتعد عن
أناس يبعدونك عن الله عز وجل، هذه مفاهيم للهجرة صغيرة نعيشها كل يوم ...
لذلك
فالمحافظة على الدين والحق في وقت الفتن مثل الهجرة مع النبي عليه الصلاة والسلام
- كما
في الحديث الذي أخرجه مسلم عن معقل بن يسار، أن رسول الله – صلى الله
عليه وسلم قال: «العبادة في الهرج كهجرة إلي».
* المراد بالهرج هنا الفتنة واختلاط أمور الناس
وسبب كثرة فضل العبادة فيه أن الناس يغفلون عنها ويشتغلون عنها ولا يتفرغ لها إلا
الأفراد أو في أيام الفتن وظهور العناد بين العباد.
- قال السندي: “في الهَرْج” بفتح فسكون، أي: القتل، والمراد: الاشتغال بالأعمال الصالحة في أيام
ظهور القتل والفساد بين العباد، كالهجرة إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، فإن مرجعهما هو الرجوع إلى الله تعالى عند الكفر والمعاصي بين العباد،
والله تعالى أعلم.
قد يكون المرء في بلاد إسلامية
وهو غريب فيها
فالغربة
الحقيقية ليست في أن يكون الإنسان بعيدا عن وطنه وإنما الغربة غربة الدين والإيمان
·
نحن اليوم في أوروبا ، نقدر على ما لا يقدر عليه إخواننا في بلدان
مسلمة من نشر تعاليمهم والتحرر في أفكارهم واعتقاداتهم .. فمن الغريب إذا .
- قال
إبراهيم الحربي -رحمه الله- (198-285هــ) لرفاقه
: من تعدون الغريب في زمانكم هذا؟ فقال واحد منهم: الغريب من نأى عن
وطنه، وقال آخر: الغريب من فارق أحبابه، وقال
كل واحد منهم شيئاً، فقال
إبراهيم: الغريب في زماننا رجل صالح عاش بين قوم
صالحين، إن أمر بالمعروف آزروه، وإن نهى عن منكر أعانوه، وإن احتاج إلى سبب من
الدنيا مانوه، ثم
ماتوا وتركوه ـ كأن
إبراهيم يعني بذلك نفسه .
المسلم
مثل الغيث حيثما حل نفع :
·
كفانا من أن نتسمى بمهاجرين فقد انقطعت
الهجرة (نحن مواطنون)
- عَنْ صَالِحِ بْنِ بَشِيرِ بْنِ فُدَيْكٍ , قَالَ : خَرَجَ فُدَيْكٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ , إِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ
أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ هَلَكَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا فُدَيْكُ ، أَقِمِ الصَّلاةَ ، وَآتِ الزَّكَاةَ ، وَاهْجُرِ
السُّوءَ ، وَاسْكُنْ مِنْ أَرْضِ قَوْمِكَ حَيْثُ شِئْتَ ، تَكُنْ مُهَاجِرًا "
الهجرة تحتاج
إلى تضحية لأنها انتقال جدري لكل مألوف وعادة
لذلك إن الهجرة قمة التضحية بالدنيا من
أجل الآخرة، كل إنسان ببلده بمسقط رأسه له مكانة، له أسباب للرزق، له معارف، له
أصدقاء، لكن إذا ثبت له أن بقاءه في هذا البلد يعيق تقدمه الديني فلابدّ من أن
يهاجر، لذلك الهجرة قمة التضحية بالدنيا من أجل الآخرة، ذروة إيثار الحق على
الباطل..
الهجرة في أدق تعاريفها ليست انتقال رجل
من بلد قريب إلى بلد بعيد، وليست ارتحالاً مفتقراً من أرض مجدبة إلى أرض مخصبة،
إنها إكراه رجل آمن في سربه، ممتد الجذور في مكانه، على إهدار مصالحه، والتضحية
بأمواله، وتصفية مركزه، والنجاة بشخصه، من أجل ألا يفتن في دينه..
أيها الأخوة، هذه الصعاب صعاب الهجرة لا
يطيقها إلا مؤمن يخاف على سلامة إيمانه، أما الهياب الخوَّار القَلِق فلا يستطيع
أن يفعل شيئاً من ذلك،
- قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنْ
اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوْ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا
قَلِيلٌ مِنْهُمْ ﴾ سورة النساء: 66]
· بأصل فطرة الإنسان الإنسان يتعلق بمسقط رأسه؛ حيث العادات، والتقاليد،
والمعارف، والأصدقاء، والأقارب، لكن أحياناً يكتشف - وهذه حالات نادرة بالعالم
الإسلامي - أن هذا المجتمع يبعده عن ربه، لذلك لا بد من الهجرة، أحياناً تترك
مجموعة أصدقاء إلى مجموعة أخرى بعد الإيمان، نوع من الحركة، تترك حرفة لا ترضي الله، كسبها حرام، إلى حرفة دخلها حلال، أريد أن أوسع
معنى الهجرة، ترك شيء يبعدك عن الله إلى شيء يقربك منه، قد تترك الحي إلى حي
آخر، من عمل إلى عمل، من أصدقاء إلى أصدقاء.
- قال تعالى
: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا
وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ
الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}
( الأنفال : 74)
وهل هاجر المسلمون الهجرة
الأولى إلا بعد المخاض العسير :
لما كان
المسلمون في مكة يحيون لدينهم، ويحيون لربهم، فإنهم لم يطل بهم التفكير عندما قيل
لهم: كي تخدموا الإسلام اتركوا مكة، اتركوا وطنكم الحبيب إليكم، واذهبوا إلى بلد
ليست لكم به مصلحة ولا تجارة ولا دنيا؛ وهناك أسِّسوا للإسلام الوطن الذي يحيا
فيه، وينتعش به، اربطوا مصلحتكم الخاصة بمصلحة الإسلام الكبرى.
وكانت نتيجة هذا العرض أن جمهرة المسلمين في مكة غلقت بيوتها، وتركت مصالحها، وهاجرت إلى المدينة تريد أن تعيش لله، وأن تعيش بالدين، وألا تفضل مصلحتها الخاصة على مطالب الإسلام، هذا اختبار يعرض على الأمم وعلى الأفراد كل يوم، وهو يعرض على المسلمين باستمرار؛ وعندما عرض على المسلمين جاء العرض في أيام من حق قادة الإسلام فيها أن يتساءلوا، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- كلف بالهجرة وعمره ثلاث وخمسون سنة!.
- والناس
فيما رأينا ونرى - في التضحية - نوعان:[2] نوع يعيش
لنفسه، لجسده، وإذا امتدت حياته الجسدية في أولاده فهو يعيش لنفسه ولأسرته، ويكفيه
هذا، ما يفكِّر في أفق أبعد، ولا غاية أشرف، إنه أشبه بحيوان مهذب! رُزق العقل فهو
يسخِّر عقله في خدمة هذه المآرب التي جعلها في الحياة هدفه، وجعلها في الوجود قيمه
ومثله الأعلى. ونوع لا يعيشون لأنفسهم على هذا النحو الضيق المشوه التافه، بل
يعيشون لربهم، ويوم يعيشون لربهم فإن ربهم يكفل لهم مصالح أنفسهم بأرقى وأجدى مما
لو سخروا هم عقولهم وعزَماتهم في خدمة أنفسهم.
الحركة
الآن حركة مالية فقط، يبحث عن مركز، عن منصب، عن مال، عن دنيا، عن متاع، أما
الهجرة فحركة دينية، حركة من أجل الإيمان، حركة من أجل أن يعبد الإنسان الواحد
الديان.
موانع الهجرة اليوم :
موانع الهجرة المكنونة، إذن، أحدها ذاتي
والآخر موضوعي.
1
. أما الموانع الذاتية: فترتبط بالإرادة، والهمة، والنية، وصدق العزيمة، ويغلب عليها سيطرة
الهوى، وتفشي الأمية، وهيمنة الأنفة، والغرور، والإعجاب بالنفس، واللامبالاة،
والتسويف، والفقر، هي مؤشرات مرضية قابلة للعلاج.
2. وأما
الموانع الموضوعية فكثيرة الأنواع،
ومتعددة الفروع، ومتباعدة الأطراف، ترتبط بالبيئة، وبالواقع المعيش، مبدؤها الصحبة
والرفقة التي تزين المشهد وتأثث المظهر، مرورا بالمجتمع الصامت والعاجز، وانتهاءً
بالدولة الظالمة والفاسدة، التي جوعت، وفقرت، وجهلت، وأفسدت، واستكبرت، فكان من
الأولى هجرة أفعالها، وعدم الالتفات إلى أقوالها، وعدم الالتفاف حول رجالها،
وإجبارهم على التنازل عن أفعالهم، أو إنزالهم من على عروشهم، كما فعل بالدكتاتور
التونسي، والسفاح الليبي، والطاغية المصري، لا الهجرة منها، والهروب منها، نزوحا
إلى الدول المجاورة، أو هجرة عبر قوارب الموت إلى بطون الحوت وأعماق البحار، أو
صعود الجبال.
لنا في سورة القصص بوارق
الأمل في وعد الله تعالى رغم أنف الجبارين، قال عز وجل: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ
وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ
وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ .



0 comentarios:
Publicar un comentario