viernes, 13 de mayo de 2011

عودة الروح

0 comentarios


       وقفت يوما بعد الصلاة على باب المسجد أتناقش مع صديق لي في مسألة .  ونحن نأخذ في الكلام أخذاً إذْ بشاب إسباني في مقتبل عمره  ومعه بعض صديقاته وقف علينا وقال :
أتسمحون لي أن أدخل كي أصلي ؟ فسألته مستغربا : وهل أنت مسلم؟  قال: لا، ولكن أحب أن أجرب صلاتكم . فتركته وشأنه ، فدخل ورفع يده مكبرا ثم رَمَى بنفسه على الأرض ساجدا وبعدها رفع يدَيْه الى السماء يتمتم بشيء وانصرف قائلا: أحسست برهبة المكان، وأود أن أعود حتى أتعلم صلاتكم !!!
ربما يبدو الخبر غريبا ، ولكن ذيل القصة يكشف الخبر وحقيقته :

     ان حاجة الناس الى الدين لا تقل عن حاجتهم الى الماء والطعام ،  والباحثون في دروب الحياة كدّاُ وتعبا عن لقمة تقيم أصلابهم ، لا ينتهون في الأخير إلى معنى أنه ليس لهم من الحياة الا ذاك النصيب.
وهناك فراغ في النفس البشرية لا يُملأ بالخبز والماء ، ومهما ضل الناس عن هذا المعنى لأسباب ، إلا وهم يحسون بين الفينة والأخرى أن هاتفا ما يناديهم بالعودة الى الطريق ، ويشعرون أن الحياة أعقد من أن تكون مجرد لهو عابث أو حركة  ليس من ورائها هدف .
ومما يؤكد ذلك عندهم ، بقايا من دين ورثوه ، أو ميتا عندهم دفنوه ، أو اشادة ناصح يثقون به أو منظرا من بديع الكون أدهشهم ، أو لغزا من ألغازه  حيرهم  يبحثون له عن إجابة .

والغَرْبُ في ظل الطفرة الصناعية والثورة المادية  سعى أن يبعد الدين من ذاكرته بعد ما أفاق مرعوبا من عصور الظلام . وبعد نومة عمياء في غياهب الكنيسة الجاهلة ، تأكد لديهم أن الخلاص ليس في يد المسيح وانما بأن يُشنقَ آخرُ اقطاعيّ بأمعاء اخر قِسِّيسْ .
وشقَّتْ أوروبا الحديثة طريقها على أَنَّ العقلَ هو اللهُ الذي لا رب سواه ، وأن أساس التوحيد العمل ، وأن الايمان هو رصيد في البنك يَفْزَعُ اليه كلُّ مُصَاب.

فقلما تجد متضرعا يرفع يديه عند النائبات الى السماء ، فالكثيرون باتوا متأكدين أنه ليس في السماء سوى أكوام من الغازات ، وأن "الله، والبعث والحساب"  أفكار متخلفة  لا يؤمن بها الا الأغبياء والمجانين.
وكم سألت الكثيرين عن ايمانهم فأجابوا أنهم لا يؤمنون الا بالثالوث المقدس المعاصر، هو العقل والساعدين !!
وأول شيء يخطر على بال الكثيرين عند المصائب هو وضع حد لحياتهم ، فليس لديهم ما يخسرون سوى بضع ثوان من المعاناة ثم ينتهي كل  شيء . !!

كانت لذة النفس والسعي الى تحقيق رغباتها تشغل أبناء الغرب عن البحث في حقيقة الحياة وتَصْرِفُهُمْ عن الاحساس بالقوة التي تُدَبّرُ الوجود .
وعاش الناس سكارى في أحلام مادية لا تنتهي نشوتها، وبالغوا في ذلك مبالغة شديدة حتى أتاهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون .

      فعند بداية الأزمة الاقتصادية العالمية والتي كان نصيب اسبانيا منها الحظ الأوفر، عَجَزَ الناس عن دفع الالتزامات المالية مع البنوك الربوية ، وامتلأت المحاكم بمثل هته القضايا حتى ملها القضاء وعالجها بالتأجيل الى آماد طويلة . والأزمة كل يوم تحصد ضحاياها من الشركات والموظفين والعمال .

فبدأ مفعول التخدير الاقتصادي يتلاشى من عقول الكثيرين عندما أحسوا بالخديعة الكبرى، وفرغت أيديهم من الآمال التي عاشوا من أجلها عقودا ، فانطلقوا يراجعون حساباتهم مع أنفسهم فوجدوا فراغا مرعبا وروحا ممزقة . وكم يحتاج الانسان الى شحنات قوية توقفه على قدميه عندما يَدِبُّ الى حياته الشلل ، فلا أحد يَقْوَى على دوام المعاناة والصبر على البلاء بدون يد تعينه حتى ينسى . وليس هناك أعظم من الايمان عند هذه المواقف بلسما للجراح ومُسكّنا للآلام ، فاذا كان القلب فارغا من هذه المعنى ، صارت حياة الانسان مقرا للوساوس والهلاوس ومركزا حيويا ترتاده الشياطين،  فتظلم الدنيا في رأس صاحبها ، فيحاول أن ينسى باستعمال المخدرات والعقاقير أو يحاول التشطيب على اسمه من لائحة الوجود.

والكثيرون بدأوا بمراجعة حساباتهم القديمة مع الدين بحثا عن الأسئلة الجوهرية في حياة البشر : من أنا ومن أين جئت ، وكيف ، ولماذا ، والى أين ؟
فبحثوا على أنفسهم بدأ بالكنيسة وسألوا فيها عن الله ، فما وجدوا سوى فلسفة معقدة وأفكارا هلامية لا تصلح أن تكون عقيدة ولا أن تحيي ايمانا ، والقساوسة يروجون في دعاية ماكرة على أنه لا يجوز استعمال العقل في الايمان ، لأن العقل البشري أضعف من أن يدرك هذه الحقائق ؟

والحقيقة عندهم كما أخبرني بعضهم : ( أن الله مرة ثلاثةٌ في واحد ومرة واحدٌ في ثلاثة ، ف(اللاهوت) لا شريك له ولا تركيب فيه ، لكنه يتميز عن كل الموجودات بانه مع وحدانيته وعدم وجود تركيب فيه ، ليس اقنوما بل ثلاثة أقانيم .
لكن الأقانيم ثلاث ذوات فى الله لان الله (اللاهوت ) ذات واحدة وليس ثلاث مظاهر له، لأنه فى الذات ليس له مظاهر ، وليس ثلاثة أجزاء فيه ، لأنه لا تركيب فيه بل هم عين ذاته ...!! ) هل هناك شخص يحترم عقله يؤمن بهته الخزعبلات ؟ 

فآمِنْ بقلبك فقط ، على أن الجسم الذي ولدته امرأةٌ هو "اللهُ نفسُه" ، خرج لينقذ البشرية وانتهى مصلوبا على خشبة الأحزان وهو يذوق آلام البائسين ، ولا تحاول أن تناقش كي لا تُخضع اللهَ لمفاهيمك البشرية!!


    ولقد دخلت الكنيسة مرات للفرجة فرأيت أنها لا تصلح دارا للعبادة وانما متحفا من الطراز الروماني القديم ، معلقٌ على جدرانها العشرات من التماثيل والأوثان ، والقائمون عليها مجموعة من المنتفعين يتقاضون أجرا على سيئات الغافلين ، ويتنعمون من وراء ذنوبهم .
  
لذلك يفر الشباب الذي تربى في أحضان العقلانية والمنطق من هذه الهرطقة والشعوذة التي يسمونها مسيحية! وانطلقوا يبحثون عن "الله" في مساجد المسلمين .

       لم يكن يمر علي أسبوع في بعض الأوقات الا ويأتيني الباحثون عن الحقيقة ، فما يخرجون الا وهم مقتنعون في بساطة بالاسلام وأضرب لهم موعدا يعلنون في الشهادة أمام الحاضرين فيجدون ضالتهم بعد المعاناة المضنية ، كما قال لي (إميليو) وهو "مورسي" اعتنق الاسلام والتحق بالجيش الاسباني : أنه قرأ سورة البقرة وحدها فوجد فيها جميع الأسئلة المحيرة في رأسه ، وما أعجبه في الاسلام أن الله قريب من الناس فلا يحتاجون الى صماصرة تَدْفع لهم أموالا حتى يدخلوك عليه ، وأن المساجد بسيطة غاية البساطة ، تدخل فتشعر بالسكينة من حولك ، وتستعيد روحك نشاطها بعد تَعبٍ  من الركض وراء المادة .

( فْرْانْ، رَافا، بيكِي، خْوَانْ ...) والكثيرون غيرهم جذبهم الاسلام إليه كالمغناطيس ، فقوة الحقيقة تعمل عملها بقوة في المُقْبِلين إليها ، وعندما تشرق شمس الحق فان سحائب العمى تنقشع، ولا يمكلك أصحاب الارادات إلا أن يقولوا سمعنا وأطعنا .

والكثيرون من أبناء هذه المجتمعات التي تبحث عن السكينة الروحية لو وصلهم الاسلام كما هو ، لسارعوا اليه أفواجا لأنهم يعيشون على شفى جرف هار في حياتهم المادية والروحية. أين المشكل إذا ؟

         المشكل في المسلمين أنفُسهِم ،  فالاسلام عندنا "ماركة مزورة " ونسخة غير أصلية ، تنطوي تحته ممارسات خسيسة وأخلاق فاضحة ، وعبادات مشوهة فارغة من معانيها السامية ! والكثير من المنتسبين لهذا الدين أفكارهم ممزقة ، خليط من العادات ومزيج من الأهواء ، فلا تستقيم أحوالهم على هداية ولا برهان مبين ، فلا يصلحون لقدوة ولا يدلون إلَّا على الخرابة، وكلما تقدم الباحثون على الاسلام خطوة الا فزعوا فولوا مدبرين من المصائب التي يشاهدونها يوميا حول المسلمين وسفاهاتهم ، فيرجعون الى الاسلام نفسه ويقولون لو كان فيه خير اذاً لأصلحَ حالَ المنتسبين اليه ، ولا خير في دين أكثرُ المنتسبين اليه سارق أو قاطع طريق أو سكير أو متشرد أو ملقى على قارعة الطريق!!

وهناك أناسا أعرفهم يعتبرون وجودهم في الغرب معصية كبرى يجب عليهم التوبة منها ، لأنهم في بلاد الكفار، والاسلام بريء ممن يقيم في بلاد النصارى!!. وهؤلاء السفهاءُ قومٌ لئامٌ خبثاء، يأكلون النعمة ويكفرون العشير.
     لكن الذين يعتنقون الاسلام لا يجيؤون من  طريق هؤلاء ولا أولائك ، فهناك أصحاب عقول ذكية لا يحكمون شططا على الدين ، ويفرقون بينه وبين المنتمين اليه ، هذا مع وجود رجال صادقين يكنسون بأخلاقهم مزابل العابثين بالدين ، والمستهترين بأحكامه.

      جاءتني في رمضانَ يوما شابةٌ تشكي اليَّ من الكنيسة والرهبان ، وتحكي إلي هلوساتهم التي يسمونها دينا ، وأخبرتني أنها صائمة تجرب صوم المسلمين ، وألحت علي  أن ألقنها الشهادة ، فضربتُ لها موعدا لذلك  ، حتى يجتمع الناس ويشهدوا اسلامها ،  ولكن يبدوا أنها كانت متلهفة الى نطقها ، فانصرفتْ الى إمامٍ آخر وأعلنتْ إسلامها بعد أن قالت للناس : إمام "مسجد السلام" منعني من دخول الاسلام!!!
    قد يكون هذا التلهف في اعتناق الحقيقة إيذان بيقظة جديدة لروح تحيى من جديد .









  




0 comentarios:

Publicar un comentario