جاءني أحدهم يوما وقد رسم الغضب عل جبينه علامات مفزعة ، ورماني بكلمات لو صب عليها القليل من البنزين لاشتعل المكان بمن فيه .
فقال بحنق ينفث الكلام كالأفعى تنفث سما نقاعا : انت منافق مخادع لله ورسوله ، تنكر على الناس فعل ما أمرهم به النبي صلى الله عليه وسلم ، وتستهزئ بالملتزمين المتشبثين بدينهم ، وتحقد عليهم اتباعهم للحق واقتداءهم بالسلف الصالح والتزامهم بمذهب أهل السنة والجماعة ووو......
فأمسكت خوفا على رأسي من هول ما أسمع فالتهمة الواحدة مما ذكر يمكن أن تنزل عليك نارا محرقة ، أو تسقط عليك حجارة من السماء وأن تزج بك يوم القيامة في دركات السعير !!!
وكل ما في الأمر أنني نزلت من على المنبر يوم الجمعة وقلبي مطمئن لما قلته :
أيها الناس :
ان الله لا ينظر الى صوركم ولا الى أجسامكم ، ولاكن ينظر الى قلوبكم ، فأصلحوا لله بواطنكم تصلح ظواهركم . ومن صلحت لله سريرته فانه يأتي يوم القيامة سالما يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من أتى الله بقلب سليم .
ولا تغتروا بأصحاب المظاهر فإن الكثيرين من أصحاب اللحى يساقون الا جهنم يوم القيامة من لحاهم كما تساق النساء من ظفائرهن.
أيها الناس :
من تأخر به عمله لن تتقدم به لحيته ، ولو كان الأمر بالمظاهر والأشكال والصور لسهُُل أمر هذا الدين ولعبث به المخادعون والمنافقون ولجعله الكذابون والغشاشون مطية لشهواتهم وملذاتهم .
ان الاسلام مسلك غير هذا المسلك ، سبيل تعب فيه الرجال وابتلوا ، وصبروا على ما كذبوا وأوذوا ، وقدموا بين يدي الله دماء زكية طاهرة ، وشهدت أعمالهم على قلوب جبارة عظيمة ، ووفاء للحق منقطع النظير .
فلما أطالوا لحاهم أعطوا للاسلام هيبة، وحصنوا بكل شعرة حقيقة ، وشدوا بها أثرا وألزموا بها حجة وازدانوا بها جمالا ، فأبان جمال ظواهرهم على صدق الخفايا ونفاسة معدن الطوايا.
ولما وضعوا في أفواههم " عودا أراك" قال العدو اهربوا وفروا بجلودكم فإنهم يُمَضون أسنانهم ليأكلوكم .
ولما قصروا ثيابهم أبان ذلك على زهد في الدنيا وورع في الفانية ما له من مثال، وطردوا بذلك ما تجده الأنفس الأمارة بالسوء من حب الاعجاب والتكبر والرياء والسمعة والشهرة ...
وكان تشميرا منهم لجد الطلب وتعب الحياة وخبايا الأيام ودوران أفلاكها وتقلبها ومكرها .
ما أجمل أن تكون لك أيها المؤمن شخصية تسير بها ما بين الناس، لباس مختلف على لباسهم ، وهيأة تخالف بها هيآتهم ، حتى اذا أشاروا عليك عرفوك دون من سواك بأخلاق منفردة وأعمال نبيلة ومواقف مشرفة .
فيكون شكلك جسم حي لعمل حي، ومظهر متميز لعقل فذ ، وصورة جميلة أنيقة لقلب عامر بالايمان .
حينها تكون مسلما مكتمل المعالم فيك جسم وروح، ظاهر وباطن، صورة وحقيقة . فقط حينها يمكن لكلمتك أن تعمل عملها في الوجود ولصورتك أن تقول للناس هذا شخص مختلف إنه من صنع طينة عجيبة ، من صنع معدن اخر صقلته أياد أمينة ، وأشرفت على تكوينه وتهييئه واخراجه للوجود مصانع سماوية لا أرضية .
هناك فقط سيقف الناس أمامك أيها المسلم مبهورين مشدوهين كما يقفون أمام لوحة نفيسة خرجت على يد رسام مقتدر .
وسيبحثون لشكلك على تفسيرات عميقة ودلالات رفيعة وسيفرحون حينما يصِلون الى سمو المعنى في الصورة وايحاء الجمال في الشكل .
ولن تحتاج بعد ذلك لأن تشرح لهم شكلك لأنهم سيعشقونه . ولا أن تبرر لهم موقفك من نوع لباسك فإنهم سيقلدونه ، ولا أن تضيع وقتا لرد سفاهاتهم فإن لسانهم سيخرسونه .
أيها الناس :
قولوا لي بربكم أي ميراث ثقيل خلف لنا سيد الأولين والاخرين وأي جهاد عظيم بذلوا حتى وصلنا الميثاق المبين .
لو كانوا منشغلين بلحاهم يمشطونها كلما أرادوا نصرا ، أو بأسنانهم يفركونها كلما اعترض عليهم عدو ، أو بملابسهم يبحثون فيها هل تحت الكعب أم فوق الكعب ويقيمون على ذلك ضجيجا لما وصلنا من هذا الدين إلا لوحات مشوهة كالرسم التشكيلي لا تحل رموزه ولا تنفك معانيه .
ولكن عندما تجذر الايمان في أعماقهم أزهرت وأورقت وأينعت ثمارهم وصاروا مثلا للغافلين وحجة على العالمين وأسيادا للتاريخ ودليلا وبرهانا لمسير المستقبل .
أيها الناس :
لا تجعلوا الناس يثقون بمظاهركم ويغترون بأشكالكم ويرتاحون لجمال مطالعكم ، ويحسبون السنة أنتم والحق معكم فيركنوا الى أقوالكم ويضربوا عرض الحائط بكل من يخالفكم من الذين لا يفوقونكم لحية ولا يقصرون عليكم ثوبا . فاذا أرادوا برهانا قالوا فلان حدثنا ، وان أعوزهم دليل قالوا هو من أخبرنا ، وان ضلوا مسلكا قالوا هو من يرشدنا .
حتى اذا ما كُشِفَ لهم مستور القلوب وخفايا علام الغيوب ، وظهر لهم أن ما كنت تنهى عنه في علنك تأتي أنكر منه في سرك ، وأن ما تعطيه باليمين أمام الناس تأخذه بالشمال أضعافا مضاعفة ، وأنك كنت تستغفلهم وتستحمقهم وتستغل سذاجذتهم وجهلهم بأحوال النفس ودقائق القلوب فتقضي ما أنت قاض من المنكر وتأتي ما أنت آت من الزور والبهتان.
حينها يُحَمل الناس الدين تبعات اخطائك ويكرهون كل من تَصَورَ بصورتك أو أشبهه شكلك . وحيثما وجدوا صالحا الا قالوا ثعلب ماكر في لباس حمل وديع . !!!
أهذا هو الاسلام يا ترى أوهذا هو الالتزام ولا تزال النفس تسبح في شطحاتها وتموج موجا في سفاهاتها ومكرها وخداعها.
كان النبي عليه الصلاة والسلام قرانا يمشي على وجه الأرض واضح في ظاهره وضوح الشمس أول النهار لا يماري اثنان في سمو خلقه ونور طلعته وبهاء منظره وجمال شكله وحسن صورته.
وكان الصحابة أقمار تعكس نور شمس الحقيقة والعصمة التي يدورون في فلكها ويتنورون بنورها ، ويسبحون في مجرتها ، حقائق واضحة لا غموض فيها . وأشكال لطيفة تفتح شهوة الاتباع وارادة الاقتداء .
وحتى نكون مثلهم ونبلغ مبلغهم أمامنا طريق شاقة تقطعت أكباد الابل سيرا اليها حتى الوصول . طريق معبدة بالمخاطر المرعبة والعقبات المتعبة والمصاعب المهولة .
وحتى نبلغ المقصد ونسلك السبيل يجب أن نخفف من حمل الاثقال المضنية أثقال النفس الأمارة بالسوء والفحشاء والمنكروالبغي والتي تجذبك بقوة الى الأرض كلما هممت بالانطلاق ، وجددت المسير .
وهناك من أراد أن يختصر الطريق ويطوي عليها ضنك المسافات فأطال له لحية في شهرين وقصر له ثوبا بمقص وخلل عودا من أراك يلازمه في جيبه كما يلازم المحارب سلاحه لملاقاة العدو، واقتنى له كتابا يهدى ولا يباع ، مبلغ حظه من العلم والدين والفقه ليجادل به أهل الأهواء ويرد به أصحاب البدع والخرافات ويلزم به العالمين ويخاصم به يوم الدين . !!!
هناك نظرت الى صاحبي فاذا هو يرتعد كمن به حمى أو لدغته عقرب ، فأرعد وأزبد وزمجر ونفض أذنيه كأنه لم يسمع شيئا واستغشى ثيابه وأصر واستكبر استكبارا .
انطلقت الى حال سبيلي غير مكترث لكل ذلك فمثل هؤلاء كالصراصير ملأوا الدنيا ضجيجا وصياحا وهم أضعف من أن يقدموا للأمة شيئا أو يشديوا لها بنيانا أو يبنوا لها مجدا .
وفي يوم اخر صليت بالناس صلاة الظهر في المسجد وبعد الصلاة مباشرة انقض علي شخص اخر لست أعرفه ولا يعرفه منا احد ولست أرى عليه أثر السفر . فقال يا إمام : أنصحك لله وانت قدوة الأمة. و لا خير في قوم لا يتناصحون ولا خير في قوم لا يقبلون النصيحة. فقلت له في قلق وفزع من هول خطإ أوكبيرة ربما وقعت فيهما دون علم ودراية ، عجل عجل الله فرجنا :
فقال : انت مسبل إزارك ومن أسبل إزاره تحت الكعبين فهو في النار !!
فقلت : لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم وهل يصلي المسلمون خلف رجل هو من أهل النار ؟؟!!!
فقال : هذا ما جاءت به السنة النبوية وعمل به السلف الصالح .
فقلت يا هذا : يعلم الله أني اشتريت هذا السروال بأبخس الأثمان دراهم معدودة وأنا في هذه الأمور من الزاهدين !!
وفي كثير من الأحيان يطالعني الناس بنظرات غريبة لا لأنني متكبر أو متعجرف أو مزهو بنفسي ، ولكن لأنني ألبس سروالا أكل الدهر عليه وشرب وسار بين الناس موضة قديمة ، وهل يعذبني الله يوم القيامة على سرال اشتريته بدرهمين لا أبغي به شيئا الا ستر عورتي . وهل مثل هذا يراد به تكبر أو خيلاء .
فقال محدثي ماكرا : وما دخل الخيلاء والكبر في المسألة ؟.
فقلت : أليس الكبر والخيلاة علة تحريم الاسبال وتقييد مطلق الأحاديث التي ذكرتها . ؟
فقال والغضب باد على وجهه : ان الاحاديث واضحة صريحة فلماذا هذه الفلسفة والمجادلة . ؟!!
فقمت هاربا قبل أن أرتكب مصيبة أو جريمة ..
فمثل هؤلاء لو قام ابن تيمية من قبره ليفهمهم لشنقوه ولاتهموه بالبدعة والخرافة كما قلت لأحدهم يوما وهو ممن يدعي أنه من أتباعه : إن ابن تيمية يقول بامكانية رؤية النبي صلى الله عليه وسلم يقظة في فتاويه . فقال الملعون ان كان ابن تيمية قالها فقد كفر !!!!!!


0 comentarios:
Publicar un comentario