بلادي وإن جارت علي عزيزة وأهلي وإن ضنوا علي كرام
هل يصعب على الانسان الاحساس المجرد بقيمة الانتماء العاطفي لموطن معين دون أن يكون له بهذا الأخير صلة مادية معينة ؟!!
والان ونحن في الغربة يتساءل الكثير منا عن موجب لمشاعر ينطلق صداها عبر رياح نائية من وطن تأتي نسمات حبه غريبة يصعب تفسيرها الا بكونها ذكريات قديمة، أو روابط في اللاشعور ، تبعث على التفكير في الماضي والحنين إليه .
وكل هته الأحاسيس إنما يبعثها في القلب الان واقع مؤلم يعيشه المهاجر وهو يتذوق اليوم مرارة عيش ضنك وأزمة خانقة، اكتواء بين نارين : هوية مشتتة واحساس بالتشرد عن الوطن . غربة حقيقية تزداد هوتها اتساعا حيث يفيق الناس كل صباح ينتظرون نبأ جديدا عن فجر يوم أكثر اشراقا يتعللون بنسماته من أزمة خنقت عليهم أنفاسهم.
والخطاب الرسمي للحكومة يحاول كل وقت وحين أن ينفخ في أرواحهم نبرة الايمان بالوطن والكفاح من أجل الخروج من المأزق الاقتصادي والالتفاف حول العلم.
ويصدر خطابا من قبيل أن القضية لا يمكن اختزالها في الأزمة الاقتصادية وأن تنهار معنويات الشعب عند أول اختبار يعيشه العالم أجمع، وكما يقال (المصيبة إذا عمت هانت) فليس من المعقول أن تأكل سنة عجفاء سنين سمان كما قال بوش للشعب الأمريكي سابقا !!
ولكن الاسبان كما نعرفهم لا تتجاوز مثل هذه الكلمات المعسولة حناجرهم، ولا تهضم عقولهم مثل هته الشعارات لأنهم قد بلعوا مرارة الزقوم واكتحلوا بنار القروض والفوائد الربوية وبدأ الكثير منهم يصاب بالجنون والهوس كالذي يتخبطه الشيطان من المس . وحيث أقطن فقد أحرق أحدهم نفسه ورمت الأخرى نفسها في سكة حديدية حيث تركها القطار أشلاء ممزقة. أما عن السرقة والسلب والنهب فحدث ولا حرج...
فالاسبان شعب دخل الى المدنية من النافذة متسللا، وقفز الى الحضارة المادية قفزة غير طبيعية فلا نعجب إن كسرت رجله اليوم أوأصابه الشلل.
أما المهاجرون المغاربة داخل هته الطاحونة تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت، فاليوم هم صرعى في أوطان غيرهم كأنهم أعجاز نخل خاوية، ولست أرى لهم فيها من باقية. !!
وأنت ترى اليأس والقنوط قد شق على وجوههم خنادق مرعبة ، وتسمع من قصصهم العجب العجاب وكل واحد يحدثك بخبره الخاص مع الأزمة والفقر حتى سمعنا بمن ذهب الى السلطة الاسبانية يطلب منهم أن يرجعوه الى بلده لأنه لا يحمل رخصة الاقامة ولا حتى ثمن تذكرة الرجوع ولكنه يقابل بالرفض والتهميش . لم يبق من الأمر إلا (الحريك) ولكن هذه المرة الى المغرب وليس الى اسبانيا !!
وقد كثرت علينا المساومات السياسية لتصفية الحسابات بعد أن صار وجودنا غير مرغوب فيه بل ربما يعتبره الكثير عقبة كؤودا أمام الاصلاح والتغيير وداء ينخر في جسم الاقتصاد الوطني يجب البحث له عن علاج ينهي مفسدته حتى لا يتحول إلى ورم خبيث يصيب الدولة بالشلل والعاهة المستديمة.
أكلوا منا الشحم واللحم ورمونا عظاما نخرة لم تعد تصلح للستعمال.!!
فلذلك لا نستغرب إذا اجتمع اليمين المعارض في رأي مشترك مع اليسار الحاكم حول تعديلات أكثر تزمتا في قانون الهجرة الجديد , وأكثر جفاء ورجعية في محاولة سحرية للتفرقة ما بين المرء وأبيه وصاحبته وبنيه . وفصيلته التي تأويه .
واليوم وبشكل جدي نفكر بالهجرة العكسية، وإن صح التعبير العودة من حيث جئنا الى وطن قد خرجنا منه مرغمين كارهين ولولا أنهم أخرجونا منه لما خرجنا منه أبدا ، فلا تزال لنا فيه ذمة ونسبا.
ونحمل له في قلوبنا حنينا كما يحن أي طفل شارد قد ضل سبيله بالرجوع والارتماء في أحضان أمه والارتواء من حبها وعطفها وحنانها.
وإذا البلاد تغيرت عن حالها ... فدع المقام وبادر التحويلا
ليس المقام عليك فرضاً واجباً ... في بلدة تدع العزيز ذليلا
إنهم أرادونا أن نرحل أن نذهب بعيدا أن نبحث عن عيش اخر أن نتنفس هواء غريبا أن نبحث عن وهم لم نر له أثرا يسمى السعادة ، أن نحلم حلما يمكن أن نجد له مكانا في الواقع.
أن نرجع محملين بالهدايا والعطايا أن نتفاخر بالمظاهر والصور وأن نعود وقلوبنا يتقطعها الأسى والأسف على ذكريات ممزقة .
نحن لم نكن يوما عاقين لأمنا ولكنهم هم الذين سرقوا منا أحلام الطفولة ورموا بنا في ظلمات ثلاث : ظلمة البحر وظلمة الغربة والان ظلمة النسيان .
هل بقي لنا في العودة اليك ياوطني من سبيل ، بعد أن ضاع منا الكثير؟ هل لا زلت يا وطني غفورا رحيما؟ هل ما زال قلبك يتسع لنا بعد أن عدنا لا نملك شيئا؟ هل ستغني انذاك على اعتابنا "نجاة اعتابو" (مرحبا بكم في بلادكم) ؟ !!
سوف يرجع يا وطني غدا اليك الكثير من أبنائك ولاكن هذه المرة لن يدخلوا بسيارات فارهة محملة بالهدايا وجيوب ممتلئة بالنقود ، ولكن سينفذون بجلدهم قبل أن يموتوا هناك من الجوع وقبل أن يغرقوا في بحر من الضياع.
المهم أننا سنكون هناك بخير، سنعيش يالرضا رغم كل إحساس سنحاول أن نعطي لحياتنا طعما اخر مختلفا سنصنع هناك أماني وأحلاما جديدة وسوف نحاول أن نتكيف مع الوطن الجديد الذي هو في الأصل وطننا!!
أتى الرحيل فحين جد ترحلت ... مهج النفوس له عن الأجساد
من لم يبت والبين يصدع قلبه ... لم يدر كيف يفتت الأكباد
سنحاول الاخلاص من جديد لك يا وطني ، سنعَوِدُ أنفسنا على حبك سنسعى جاهدين لأن نكون لك ابناء بررة , لكن إذا لم يحل بيننا وبينك اللصوص الشررة، ولم يسرق منا لقمتنا أصحاب الكروش المنفجرة !!.



0 comentarios:
Publicar un comentario